الصباغة المياوية بالشمع تعبق بشذى النكهة المحلية

بالقلم: او يانغ تشانغ بوي

 


الصباغة بالشمع حرفة صينية تقليدية للنسيج والصباغة وهي ذات تاريخ عريق. ففي فترة مبكرة تعود الى اسرة هان الملكية (206ق.م – 220م)، اجاد السكان المنتمون الى القوميات الاقلية بما فيه مياو، ياو، بويي، في جنوب الصين الغربي، البراعة في الصباغة بالشمع. القماش المصبوغ بالشمع والصباغ النيلي يزهو بالخلفية البيضاء والنقاط الزرقاء ويفوح أريجه بالنكهة المحلية فلا يخفى على أحد ان الصباغة بالشمع كنز من المهنة القومية التي تنفرد بها الصين

عرفنا الصباغة بالشمع لقومية مياو من قصة مثيرة تسردها اغنية عريقة يترنم بها أهاليها وهي تقول: ذات يوم قبل زمان طويل، ارتقت جبلا فتاة جميلة وزكية وهيمنتسبة الى قومية مياو. حينما رأت جوانبه تزخر بالزهور البرية تخيلت ان تنورتها الفوقانية ستكون اروع بمكان ان كانت متزينة بتصميم يمثل تلك الزهور الجبلية الزاهية الالوان. وذلك لا يدعو للعجب نظرا لانها ظلت من قبل منزعجة من ثيابها بالوان رتيبة، وشديدة الرغبة في نقل الطبيعة الجذابة الى تنورتها لتعلوها شتى الوان التصاميم التي تمثل الازهار والطيور والاسماك والحشرات.. وبعد ان صحت من غرقها الطويل في التفكير، طأطأت رأسها ولمحت كل اطراف تنورتها مغطاة بالنحلات وهي تدب نحو مختلف الجهات تاركة بقع عسل وشمع هنا وهناك. وبعد قليل عادت مسرعة الى بيتها ونقعت التنورة في حوض صباغ نيلي كي تكون مصبوغا بلون ازرق وتختفي تلك البقع الوسخة عن النظر. وقد لاحت امامها ظاهرة غريبة لما رفعت التنورة من الحوض وغسلتها بالماء المغلي: النقاط المغطاة بالشمع لم تصبغ بلون أيا كان. بل شكلت محلاتها تصميما جميلا تعجز العين عن الالمام به. وبوحي من ذلك اسرعت الفتاة الى وضع تصميم على قطعة من القماش الابيض بالشمع بعد ان سخنته. ثم نقعه في حوض الصباغ النيلى. وبعد قليل سحبته من الحوض وازالت الشمع بالماء المغلي. فحصلت على تصميم يسر قلبها واكتشفت على هذه الشاكلة طريقة اولية للصباغة بالشمع. ومذذك شاعت، تدريجيا، البراعة في الصباغة بالشمع في المناطق المأهولة بأهالي قوميات مياو وياو وبويي

كانت محافظة دانساي التابعة لمقاطعة قويتشو الواقعة في جنوب غربي الصين بقعة تتناقل القصة فيها الالسنة منذ العصور المتعاقبة ومهدا لتنمية المهارة في الصباغة بالشمع. صادف نزولنا في قرية بيمو المأهولة باهالي المياو في محافظة دانساي يوم السوق المحلي لديها. السوق في شارع ليس بطويل ولكنها غصانة بالبسطات ورفوف البضائع المؤقتة ومفعمة بالحركة والنشاط. وقد رأينا فيها محليات كثيرات كادت كل منهن يحمل حقيبة كتف. وتلك الحقائب المصبوغة بالشمع ذات تصاميم من شتى الألوان والاشكال تتفتح بهيجة رائعة الجمال. هذه الصورة اعطت دليلا دامغا على ان بلاد الصباغة بالشمع هذه جديرة بشهرتها الذائعة في الداني والقاصي

اذن، اين المصابغ؟ بارشاد من المحليين سلكنا الدرب القائد الى واحدة منها. وفي حين لم تكن قد لاحت واضحة بناياتها لاعيننا، شممنا رائحة الشمع. ثم ظللنا نتشمم اثرها حتى دخلنا منزلا، باذن صاحبه. وفيه شاهدنا نساء ينهمكن في وضع لمسات ، بالشمع على قطعة من القماش الابيض. وبعد لحظة من ذلك ظهرت خطوط مستوية على القماش، مع تحرك السكاكين المبللة بالسائل الشمعي. وقد تبعها ظهور زهرة جميلة بدت على وجه القماش بصورة واضحة من خلال الخطوط الشمعية

هناك عمة مسنة كانت منكبة على وضع التصميم في المصبغة. وهي التي سردت لنا " سرالمهنة" للصباغة بالشمع: قبل ازمنة بعيدة، ذهبت النساء المحليات ذوات القلوب الذكية والايدي البارعة الى صنع السكاكين من الصفائح النحاسية وصب السائل الشمعية عليها كي يمارسن بها وضع اللمسات بهدف نقل النماذج والتصاميم الى منسوجات الالياف الطبيعية الكتانية والحريرية والقطنية. وبعدئذ ينقعن تلك الاقمشة التي حملت التصاميم والنماذج في حوض الصباغ النيلي المحافظ على الحرارة المنخفضة المناسبة. النقاط المشمع لا تصطبغ باللون. وبعد ازالة الشمع تظهر النماذج بلون ابيض يتعاقب مع الازرق. الشمع من طبيعته ان يكون لينا. وفي عمليات الصبغ يمكن ان الطيات تحدث تصدعات في بعض القطع الشمعية يتسلل اليها الصباغ النيلي حتى يشكل نماذج غير منتظمة،بصورة طبيعية. وهي ما يسمى "عروق التصدع الجليدي" اوالرسم نادر المثال بيد الطبيعة. وبالتالي اعتبرها المحليون روحا للصباغة بالشمع

نماذج الصباغة بالشمع متنوعة. وهي تمثل الفراشة، الدردور، الحريش، السمك، الطير، وزهر الكمثرى.. الخ. ولكل منها مغزى خاص. ومن بينها نموذجا فراشة وحريش يهزان شعوري الى أبعد حد. وفي نظر المحليين ان الفراشة تجسيد للتكاثر والجمال وينظرون اليها بنظرة الاحترام السامي. لذا يختار نموذجها للصباغة بالشمع في اغلب الاحيان. ونموذجها يبدي شتى اوضاعها. وعلى سبيل المثال انه يمثلها في حال الدب والطيران، او يصورها من وجهها اومن جانب منها او من ظهرها، اوفي حين اتجاهها الى فوق وهلم جرا. وبالنسبة الى الدردور فهو يرمز الى البركة والنعم في نظر المياويين. وغالباما يستخدم القماش حامل النموذج من هذا النوع لاجل ظهر الرداء وكمه اوغطاء اللحاف

اليوم، صارت الاقمشة المصبوغة بالشمع من نتاج قرية بيمو، محافظة دانساي رائجة في الداني والقاصي ودخلت مركز البحوث للفنون الجميلة وضمت الى قائمة الكنوز الانسانية

 

 

 

 

 

 

 

 

Copyright by China Pictorial © 2000-2002 ALL RIGHTS RESERVED

موقع (( الصين المصورة )) على الانترنت

http://www.rmhb.com.cn