عيد الربيع ..

عاداته وتقاليده تبتعد عنا تدريجيا

بقلم : يانغ شيويه تشي

 

 


عيد الربيع ، عيد رأس السنة الجديدة حسب التقويم القمري الصيني ، أهم وأفخم وأنشط الأعياد في السنة بالنسبة للصينيين ، على غرار عيد الميلاد بالنسبة للغربيين . وقد تشكلت كثير من العادات والتقاليد المنطوية على المعاني الطيبة للاحتفال بعيد الربيع عبر عصور التاريخ الطويل ، مثل تعليق الدوبيت ورسم السنة الجديدة ، وصنع المقصوصات الورقية لزخرفة الشبابيك ، وإلصاق مقطع " فو" ( أي " السعادة ") ، وإعداد وجبة عشية العيد وكعك رأس السنة و"جياوتسي" ( معجنات محشوة باللحم ) ، وإطلاق الألعاب النارية والمفرقعات ، وإطالة السهر في عشية العيد ، وتبادل المعايدة في رأس السنة ... إضافة الى ألوان المهرجانات وأصناف العروض الفنية المتنوعة . وما من مكان يقيم فيه بنو الصين في العالم إلا ويغرقون في الأفراح الصاخبة عندما يحل عيد الربيع كل سنة

العادات المتوارثة العديدة في عيد الربيع هي وليدة المجتمع الزراعي . لذلك تحتوي مضامينها على الأمنية بحصاد زراعي وافر ، والرجاء في رياح مناسبة وأمطار خيرة وازدهار تربية الحيوانات الأليفة .. علاوة على سلام البلاد ورخاء الشعب . ومع تحول الصين من المجتمع الزراعي الى المجتمع الصناعي والمجتمع المعلوماتي ، تشهد الأرضية الأيديولوجية والمادية المتسببة في تلك العادات القديمة تغيرات كبيرة ، وعلى الخصوص في المدن الكبرى ، حيث تتغير النشاطات الاحتفالية بالعيد شكلا ومضمونا ، ما عدا بعض التقاليد المحفوظة بوعي

--- إعداد شوربة النفائس الثماني : من الضروري طبخ شوربة النفائس الثماني في اليوم الثامن من الشهر الثاني عشر القمري ، وقتها تقوم ربة البيت بانتقاء حبوب الشعير والفول الأبيض والفول الأحمر والماش ، وغسلها وسلقها نصف نضيجة ، ثم تضيف اليها الرز والدخن والدخن اللزج ، وتستمر في طبخها على نار هادئة حتى تنضج تماما . وبعد ذاك تقدم الشوربة قربانا الى الآلهة والأسلاف أولا ، وترسل هدية للجيران ثانيا . وعند تناولها يوضع فيها السكر مع العناب الأحمر والكستناء المسلوقة سلفا . في الوقت الحاضر ، قلما يتذكر الناس هذه العادة ، ولا نجد إلا قلائل منهم يشترون المواد الأولية الجاهزة من محلات السوبرماركت لطبخ الشوربة بالقدر الكاتم في المناسبات

--- توديع إله الموقد : في التاريخ الماضي ، كان معظم الأسر الصينية يقيم محرابا على الجدار الشمالي أو الشرقي في مطبخ البيت لعبادة إله الموقد ، الذي قيل إنه يعود الى القصر السماوي في اليوم الثالث والعشرين من الشهر الثاني عشر القمري كل سنة ، ويرفع أعمال الأسرة طوال العام ، خيرة كانت أم شريرة ، الى الإمبراطور السماوي ليقرر الأخير الثواب والعقاب . لذلك كان يضع أفراد الأسرة سكر الملت على فم إله الموقد بغية أن يذكرهم بكلمات معسولة أمام الإمبراطور السماوي ، وقد لجأ البعض الى طلي فمه بالخمر كي لا يهذر في كلامه بعد السكر . الآن ، لم يعد الصينيون يعبدون إله الموقد ، ونبذوا عادة توديع الإله في هذا اليوم . وما زال البعض يذهب الى شراء سكر الملت في العيد ، لكن لتناوله لا لرشوة إله الموقد

--- تعليق الدوبيت : الدوبيت كلمات موزونة تعبر عن حسن الأمنيات أو مكنونات الصدر . وطبقا للعرف المتبع يجب تعليق الدوبيت قبل عشية عيد الربيع ، على أن يكون شطره الأول في جانب الباب الأيمن وشطره الثاني في جانب الباب الأيسر . في الأيام الماضية كان الدوبيت مكتوبا يدويا كله على ورق أحمر . واليوم ، أصبح مطبوعا يحمل نفس العبارات ونفس الخطوط . ومن المضحك أن بعض الناس يعلق الدوبيت مقلوبا ، إذ يعلق شطره الأول في يسار الباب وشطره الثاني في يمينه

--- صنع المقصوصات الورقية : كانت المقصوصات الورقية مصنوعة يدويا من قبل الإناث ، وهن يقصصن الورق بالمقص فيبدعن رسوما مقصوصة جميلة تلصق على الشبابيك الورقية لتزيينها في مناسبة عيد الربيع . أما اليوم ، فتنتج المقصوصات الورقية آليا ، وتباع في المحلات ، وتلصق على الشبابيك الزجاجية بالغراء الشفاف . إلا أنها لا تبعث على الحس الجمالي الضبابي بقدر ما تبعث عليه تلك الملصقة على الشبابيك الورقية ، ولا نتذوق منها لذة الإبداع لصنع المقصوصات الورقية بأيدينا . وقد تضيع منا هذه المهارة اليدوية بعد أن تحل المكنة المحكمة بالكمبيوتر محل المقص

--- وجبة عشية العيد : كانت وجبة عشية عيد رأس السنة الجديدة القمرية اكثر ما نتوق اليه من الوجبات وأفخمها طوال أيام السنة . والآن ، يتعود عدد متزايد من الصينيين على تناول وجبة عشية العيد في الفنادق أو المطاعم التجارية ، وهذا الأمر لا يتيح لهم تناول أطعمة لذيذة نادرة في بيوتهم فحسب ، بل أيضا يخلصهم من أتعاب الطبخ وغسل الأواني وتنظيف المائدة . لكن ، هل ما زلنا نشعر من ذلك بما كان يطاردنا من التطلع والحنين ونحن نتحلق حول الأمهات المشغولات بإعداد الوجبة للعائلات في طفولتنا ؟

--- صنع طعام "جياوتسي" : قيل إن عادة تناول جياوتسي في شمال الصين يعود تاريخها الى ما قبل 1600 سنة . وطعام جياوتسي شبيه بسبيكة الحذاء الذهبية أو الفضية في شكله ، ويرمز الى الاغتناء ووفرة الأموال . في سنوات الماضي ، كانت أصوات تقطيع اللحم لصنع جياوتسي تنبعث من كل بيت في عشية العيد لتشكل " سيمفونية " خاصة بهذه المناسبة . واليوم ، يتوفر طعام جياوتسي الجاهز المجمد في السوبرماركت طول فصول السنة ، فلم يعد طعاما شهيا نادر التناول لدى الصينيين

--- تعليق العملة : العملة المعلقة عبارة عن ورقة حمراء مستطيلة الشكل ، على قسمها الأعلى رسم مقصوص وعبارة مباركة ، وفي أسفلها شرابة ورقية . شاعت هذه العادة منذ عهد أسرة سونغ الشمالية ( 960 – 1279 م ). وقد تحولت في يومنا هذا الى تعليق العقدة الصينية باللون الأحمر الزاهي

--- تبادل المعايدة في رأس السنة : كان الناس يزورون أقاربهم وأصدقاءهم للتهنئة بالعيد بدءا من اليوم الأول من السنة القمرية . وعلى الجيل الأصغر سنا أن يسجد للجيل الأكبر سنا . والأفراد من الجيل نفسه يحيون بعضهم بعضا بضم اليدين . ولا نرى اليوم مثل هذا المشهد إلا في أعمال سينمائية وتلفزيونية ، إذ أن الناس يستخدمون وسائل الاتصال الحديثة للقيام بالتهاني ، كالهاتف والمراسلة الالكترونية ، وMSN للدردشة .. وخاصة رسائل الهاتف المحمول . وقد بلغ من كثرة الرسائل القصيرة في عيد الربيع أن ازدحمت بل اختنقت قناة التردد لشركة الاتصالات . ومع ذاك يرى البعض أن الرسائل القصيرة المختصرة لا يمكن ان تكون بديلا لزيارة المعايدة بين الأهل والأصدقاء والأقارب

--- العيدية : في الأصل كان يمنح كبار الأسرة الصغار العيدية للتعبير عن مشاعر عنايتهم وحبهم لأطفالهم . ومع ارتفاع مستوى المعيشة ، ازداد مبلغ العيدية باطراد في هذه السنين ، حتى أصبحت عبئا ثقيلا على عاتق الكبار . وأكثر من ذلك ، يتخذ بعض الغشاشين العيدية وسيلة لتقديم الرشوة وصولا الى هدفه الشخصي

--- الذهاب الى سوق المعبد : تقام سوق المعبد خلال الفترة من الأول الى الخامس عشر من الشهر القمري الأول في كل أنحاء الصين . ومن أشهر الأسواق من هذا النوع في بكين سوق باي يون قوان ( معبد طاوي )، وسوق تشانغ ديان ، وسوق ديتان ( المعبد الأرضي )، وسوق لونغ فو سي. وكانت فعاليات سوق المعبد تشمل ثلاثة أنشطة : أداء الرهبان في المعبد الطقوس الدينية، وقيام الجماهير بحرق البخور وتقديم النذور وإقامة الصلاة ، وإجراء النشاطات الفنية والتجارية . واليوم ، لم تبق من تلك الفعاليات إلا الأخيرة ، فأصبح سوق المعبد يعبق بالجو التجاري الشديد

--- رقصة الأسد : رقصة الأسد برنامج شائع ومشهور في الصين ، ذات مذاهب مختلفة ومهارات عالية . في الحقيقة ، تمارس رقصة الأسد ليس فقط في فترة عيد الربيع ، بل في مناسبات مفرحة أخرى أيضا . في الماضي ، كان ممثلو رقصة الأسد من الهواة ، ويمارسون الرقصة من تلقاء أنفسهم . والآن ، ظهرت فرق محترفة لرقصة الأسد ، وتقام مباريات دولية بين سنة وأخرى ، كما اصبحت مهاراتها اكثر تعقيدا وروعة

--- رقصة يانغقه : هي من أكثر الرقصات الشعبية ممارسة في عيد الربيع . انحدرت من هضبة اللوس ، ثم دخلت المدن ، واصبحت رقصة مألوفة أوسع انتشارا بين جماهير الشعب . في المدن الصينية الراهنة تكثر ممارسة رقصة يانغقه بين المتقاعدين المسنين ، وعلى الأخص في صفوف العجز المسنات . وبالرغم من أن مستواهم دون مستوى الراقصين المحترفين ، إلا أنهم يستمتعون ببهجة عظيمة لا تضاهى في أثناء الرقص

......

يصح القول القديم :" تتغير العادات مع تقلبات الدهر ." ففي زمن نقص السلع والمواد وانخفاض مستوى معيشة الشعب ، كانت عادات عيد الربيع تتمحور ، كما تبدو ، حول المأكل والملبس في أغلبيتها ، ذلك لأن الناس يريدون اغتنام هذه الفرصة لمكافأة أنفسهم بعد عملهم بجد واجتهاد على مدار السنة . ولما تحسنت حياتهم ، واصبح كل يوم من أيام السنة كأنه عيد ، لا حاجة لهم الى التقيد بالعادات القديمة تقيدا صارما بطبيعة الحال . ولأن عادات شعبية جديدة لعيد الربيع لم تبصر النور بعد ، فليس عجيبا أن يشعر الكثيرون بأن جو العيد بدأ يخف ويبهت تدريجيا

بالنسبة لي شخصيا ، إن اكثر ما يشعرني بانقباض هو حظر اطلاق المفرقعات في العيد . قيل إن عادة إطلاق المفرقعات في عيد الربيع ترقى الى عهد أسرة هان ( 206 ق.م – 220م )، وقتها ما عرف الناس استخدام البارود ، فحرقوا قضبان البامبو لتحدث صوت الفرقعة المدوية . ومع تطبيق مرسوم حظر إطلاق المفرقعات داخل المدن في السنوات الأخيرة ، صار عيد الربيع هادئا وساكتا . أرى أن عيد الربيع مقترن بصوت المفرقعات . وكانت أمواج الفرقعات المتعاقبة في ليلة العيد تتعالى في السماء ، وتضيء أنوار الألعاب النارية كل العالم .. كان المشهد مثيرا ورائعا جدا

يقترب منا عيد الربيع لسنة الفأر . وفي ليلة شتوية يتساقط فيها الثلج ، تلقيت رسالة الكترونية من صديقي ، فيها رسم لحصير مفرقعات . نقرته بالفأرة ، فإذا بصوت فرقعة ينبثق من جهاز الكمبيوتر ، وتتلألأ على الشاشة أضواء ساطعة .. كم أحن الى جو العيد الكثيف في الزمن الماضي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Copyright by China Pictorial © 2000-2002 ALL RIGHTS RESERVED

موقع (( الصين المصورة )) على الانترنت

http://www.chinapictorial.com.cn
http://www.rmhb.com.cn