في الساعة 14:28 يوم 12 مايو من عام 2008، وقعت مأساة كبرى نادرة في ونتشوان بمقاطعة سيتشوان في جنوب غرب الصين.
كانت مفاجأة فظيعة بدون نذير ... حطم زلزال قوي قوته 8 درجات على مقياس ريختر حياة الناس الهادئة، ودمر ديارهم، ودفن مئات الآلاف من الأرواح تحت الخرائب والأنقاض. لحد كتابة هذه السطور، قد أسفر الزلزال المميت عن مصرع أكثر من 65 ألف شخص وإصابة أكثر من 360 ألف شخص بجروح ، ولا يزال العدد يرتفع .
كل رقم وراءه إنسان كان نابضا بالحياة ، ربما هو، أو هي، من أهالينا أو أقاربنا أو أصدقائنا أو معارفنا ... كل واحد منهم علة كون العالم سعيدا في نظر أهله، فإن رحيله عن الحياة معناه انهيار العالم ... كم هو مؤلم أن ذبلت زهور الحياة الكثيرة والكثيرة في طرفة عين وهي في عز تفتحها ! ...
كان الزلزال هائل القوة التدميرية قلما شوهد مثله في تاريخ الصين . فقد أدى إلى حالات وفيات وإصابات في كل من مقاطعات قانسو وشنشي وخنان ويوننان وبلدية تشونغتشينغ ، وأشعر بكين وشانغهاي، حتى هونغ كونغ وبانكوك على بعد آلاف الكيلومترات، بهزة الأرض الواضحة . تقول معطيات إن الطاقة المنطلقة في هذا الزلزال تعادل أكثر من 400 قنبلة ذرية قذفت في هيروشيما.
انزلق جسم الجبل على مساحة واسعة.. انهارت الطرق في أقسام عديدة.. تدحرجت الصخور من الجبل ورضت البيوت على السفح.. أصبحت مناطق الزلزال الكثيرة " جزرا منعزلة ".. في اهتزاز الأرض الشديد، لحقت خسائر فادحة بكثير من الأماكن الكثيفة النسمات في سيتشوان وتشونغتشينغ .. ففي مدرسة ثانوية بمدينة دوجيانغيان ، تهدم مبنى تعليمي من 6 طوابق مخلفا دويا، وتوارى تحت أنقاضه طلاب لـ18 صفا مع معلميهم بغتة. على أطلال مدرسة ابتدائية أخرى، تبعثرت كتب مدرسية ملطخة بالدم ، وكان آباء وأمهات يبكون ويصرخون ويبحثون عن أطفالهم في الأنقاض مكورين خيطا من الأمل بصدورهم ...
أذهل الزلزال المدمر كل البلاد . وتحركت حكومة الصين على وجه السرعة. أصدر الرئيس الصيني هو جين تاو توجيها هاما طالب فيه بتسريع إنقاذ ومعالجة المصابين وضمان سلامة حياة الأهالي في المناطق المنكوبة. كان رئيس مجلس الدولة ون جيا باو في طريقه إلى بكين عائدا من زيارة تفقدية، ولما سمع خبر الزلزال، دار فورا يتجه إلى المطار مباشرة، ووصل منطقة الزلزال في مساء نفس اليوم ليرشد أعمال الإغاثة في الخط الأول . وحرك الجيش الصيني قوات ضخمة من مختلف أنحاء البلاد لنجدة مقاطعة سيتشوان، وتم له نقل ما يزيد عن 100 ألف شخص من رجال الجيش والشرطة المسلحة إلى المناطق المنكوبة عبر سكك الحديد والطرق العامة والإنزال الجوي. وأرسلت كل من مصلحة الدولة للزلازل ولجنة الدولة لتقليل الكوارث ووزارة الشؤون المدنية وغيرها من الهيئات الحكومية المعنية عامليها وموظفيها إلى المناطق المنكوبة في أسرع وقت ممكن للقيام بأعمال الإغاثة من الكارثة.
هز الزلزال الهائل أوتار قلوب كل الشعب الصيني. وجهت جمعية الصليب الأحمر الصينية والصندوق الصيني لمساعدة الفقراء وغيرهما نداء عاجلا بشأن جمع التبرعات، تدعو فيه شعب كل البلاد إلى مد يد المحبة وتقديم المساعدة إلى المواطنين في المناطق المتضررة بالزلزال. في مدينة تشنغدو المجاورة لمنطقة مركز الزلزال، تدفق السكان المحليون جماعات جماعات إلى المستشفيات أو نقاط جمع الدم للتبرع بدمهم طوعا. في كل البلاد من جنوبها إلى شمالها، ومن شرقها إلى غربها، من البر الرئيسي إلى جزيرة تايوان ومنطقتي هونغ كونغ وماكاو، بذل أبناء الأمة الصينية جهودهم لدعم أعمال الإغاثة من الكارثة ، وأسهموا بالتبرعات المالية والمادية في مساعدة المنكوبين، وهم أصبحوا رجلا واحدا وقلبا واحدا. عبرت المدونات الكثيرة على شبكة الانترنت عن خالص الأمنيات لشعب المناطق المنكوبة، وتداولت الرسائل القصيرة عبر الهواتف النقالة كلمات مشجعة. شرعت الإذاعة والتلفزيون والمواقع العنكبوتية تبث أحدث الأنباء عن مناطق الزلزال بلا انقطاع. وتابع الناس كل خبر آت من المناطق المتضررة بالزلزال وألقوا بالهم إلى سلامة شعبها. "اليوم ، كلنا أبناء ونتشوان." هذه الجملة صارت أجهر شعار في الأيام الأخيرة .
أذهلت المأساة المجتمع الدولي أيضا. بعد وقوع الزلزال، أولى المجتمع الدولي اهتماما واسعا لأحوال الكارثة في الصين، وقدم لها مساعدات إنسانية متنوعة بشكل متصل، وتوافدت عليها برقيات المواساة الجديدة والمساعدات الجديدة كل يوم وكل ساعة. وحتى الساعة الثانية بعد ظهر اليوم 15، قد أعربت 151 دولة و14 منظمة دولية أو إقليمية عن تعازيها لضحايا زلزال سيتشوان من خلال قنوات مختلفة. وأرسلت اليابان وروسيا وكوريا الجنوبية فرق الإنقاذ المحترفة إلى المناطق المنكوبة لمشاركة الصينيين في الإغاثة من الزلزال.
لا شك في أن هذه الكارثة الطبيعية الخطيرة اختبار قاس بالنسبة إلى الصينيين . لكن ما أظهرته الصين حكومة وشعبا تجاه الكارثة، من رباطة الجأش واتزان العقل والشجاعة والجلد والثقة.. نال إشادة وتقدير المجتمع الدولي. كتب كاتب عمود لصحيفة (( فاينانشال تايمز)) البريطانية مقالة يثنى فيها على استجابة حكومة الصين السريعة تجاه الزلزال قائلا :" توجه رئيس مجلس الدولة بذاته إلى الخط الأمامي لتنظيم أعمال الإغاثة بعد 4 ساعات فقط من وقوع الزلزال . وتركزت فرق الإنقاذ المدربة تدريبا جيدا والقوات العسكرية الضخمة في مواقع الإنقاذ والنجدة . وتدفقت كميات كبيرة من مواد الإمدادات والأموال إلى منطقة مركز الزلزال في ونتشوان بلا انقطاع . وكثفت وسائل الإعلام جهودها في نقل الأخبار عن أحوال الزلزال في أسرع وقت ممكن ليل نهار . وتفتحت شتى الخطوط الساخنة للإغاثة وقنوات التبرع مما أتاح طرائق لمن يرغب في المساهمة من اجل تخفيف النكبة ." وأضاف الكاتب :" في وقت تألمنا وحزننا للمأساة ، يحق لنا أيضا أن نشعر بالفخر والاعتزاز لوطننا."
حتى الوقت الراهن، لا تزال أعمال الإغاثة من الزلزال تجري على قدم وساق.
هنا ننشر مجموعة من الصور المأخوذة في مناطق الزلزال، يمكننا أن نرى منها الصمود والأمل إلى جانب الألم والحزن، كما نرى منها الجهود المبذولة في سبيل إنقاذ الأرواح ، وصلابة الأمة الصينية أمام الكارثة .
|