ملاك الشعلة

 

       جين جينغ .. شابة معاقة بدنيا منذ أيام الطفولة. وقد أصبحت في الآونة الأخيرة محط أنظار وسائل الإعلام، بعد أن أظهرت شجاعة رائعة في باريس وهي تحمي شعلة الأولمبياد من هجمات متكررة قام بها انفصاليون تبتيون.
       جين جينغ .. والدها من شانغهاي، وأمها من مقاطعة آنهوي. وهي في الثامنة والعشرين من العمر ومن مواليد شانغهاي. قالت أمها ليو هوا ياو إن جين حين كانت فتاة صغيرة لم تكن تختلف عن أي طفل في مثل سنها. أحبت الغناء والرسم. وحتى عندما فقدت ساقها اليمنى وهي ابنة تسعة أعوام بعد أن أصابها ورم خبيث في كامل القدم، ظلت تهوى الغناء والرسم.
       قوة الإرادة
       في صورة قديمة لجين وهي في سن العاشرة، تبدو على شفتيها ابتسامة مع اثنين من أبناء عمومتها وهما صغيران. وتحمل في حقيبة كتبها مجموعة من الكتب مثل: الفرسان الثلاثة، ملحمة هوميروس، ذهب مع الريح. في خزانة ملابسها والى جانب ميدالياتها تمثال صغير من البرونز لسياف، و7 تماثيل من خشب في أزياء مختلفة لقوميات صينية. المنزل الذي تقيم فيه جين ليس واسعا، وحجرتها صغيرة. ولكنها " كلما كانت في المنزل فهي في حركة دائما. ولا تستطيع ان تتحمل الجلوس" – هكذا قالت أمها.
       جين .. كانت زعيمة للأطفال منذ نعومة أظفارها، تعتمد على نفسها. مستقلة في تفكيرها. قبل بتر الساق وهي ابنة تسع سنين، كانت جين في الظلام. وقبيل العملية الجراحية، سألت والدها: "هل ستقطع ساقي بسبب مرضي؟" فأجابها الوالد: " لا تقلقي يا صغيرتي . إذا كان لا بد من أن تستخدمي الكرسي المتحرك، فسأظل أدفعك طوال حياتي".
       وسرعان ما أجريت العملية لجين. ولما أفاقت وكان يصاحبها ألم حاد في ساقها، صاحت بصوت كالرعد. وقالت أمها: " اني طلبت من الطبيب ان يعطيها مسكنا للألم. ولكن الطبيب أبى أن يفعل ذلك، لأن الاستخدام لكثير من مسكنات الآلام في فترة قصيرة قد تسبب الإدمان. اما جين التي كانت آنذاك ما زالت حبسية الفراش، فرفضت تناول الدواء طيلة فترة الألم.
       التعلم
       حقيبة كتب جين ليست كبيرة ولكنها تغص بالكتب من الفرسان الثلاثة، ملحمة هوميروس، ذهب مع الريح الى كتب للكاتب الياباني ماروكامي. ومن هذه المجموعات المتنوعة يمكنك أن تجد كتبا مثل : كيف صهرنا الفولاذ وثلاثة أيام للمجيء.
       قالت أم جين: " هي مثل أطفال آخرين كثيرين، أحبت قراءة روايات الخيال حين كانت صغيرة، ولكنها لم تطلب مني نقودا أبدا لشراء كتب." كانت جين تتلقى بعض المصروف من الأقارب وأصدقاء العائلة في فترة عيد الربيع. وكان والداها يتبعان قاعدة أنها يمكنها ان تحتفظ بجزء يسير لنفسها، وتعطي ما يتبقى لأمها. وكانت جين شديدة الصرامة مع هذه القاعدة.
       لقد استنبطت وسائل غير قليلة لتدخر النقود من أجل الكتب لما كانت في المدرسة الثانوية، احتاجت لركوب الحافلة من بيتها إلى المدرسة. الرحلة بحافلة غير مكيفة الهواء أقل ثمنا من الحافلة المكيفة الهواء. وكانت جين تستقل حافلة غير مكيفة الهواء، وبذلك جاءت كتبها من ثمن التذكرة. إنها أحبت أيضا شراء الكتب لأختها التي كانت أصغر منها بإحدى عشرة سنة.
       الحزم
       تشانغ تشاو تشيون – نائب مدير مركز التدريب الرياضي لاتحاد شانغهاي للمعاقين.. قال للمراسلين ان جين قوية الإرادة وتبذل الجهود على الدوم لتحسين قدراتها. وقال تشانغ: " رأيتها لأول مرة في مسابقة خطابية. شخصيتها الراسخة والحازمة لفتت انتباهي على الفور. دعوناها لتنضم الى فريقنا، وهكذا أصبحت رياضية معاقة." جين ليس من السهل ان تتراجع، بل هي شجاعة تقبل كل تحد، فهي تعي وسائل التدريب الشاق وتدرك معني المسابقات الشاقة والمنافسات الحامية. وجين في عيني مدربها وان هوي بينغ فتاة محبوبة ومستقيمة.
       وبسبب أنها لم تستطع ان تشارك في أولمبياد أثينا للمعاقين 2004 كان ذلك خيبة أملها. ولما توجه أعضاء فريقها إلى أثينا، بقيت في المنزل تقضي أوقاتها في مطالعة الكتب والرسم وتصفح الانترنت. وفيما بعد، لما علمت ان فريقها فاز بميدالية ذهبية، غمرتها السعادة. قالت أم جين: " كانت متكاسلة. وليس من عادتها العبوس والسكوت طويلا. إنها ولدت لتكون متفائلة." وقال مدربها وان هوي بينغ: " جين في لعبة الشيش فتاة مريعة. ونظرا لان حصصها محدودة، لم تقدر أن تنافس في أولمبياد أثينا للمعاقين -2004. بيد أنها لم تهمل أبدا في أعمالها كعضو في التدريب. قالت ذلك لصالح فريقها، وأنها لا بد أن تتقن عملها وأن تعمل جيدا. إنني غالبا ما أتأثر من الرياضيين المعاقين معي".
       في أوائل العام 2007، اختيرت جين واحدة من حاملي شعلة أولمبياد بكين. وفي صباح 7 ابريل 2008 – حسب التوقيت المحلي – وصلت إلى برج أيفل قبل ساعات من الموعد المحدد للبروفة لأجل إنجاز تتابع الشعلة على نحو أفضل. ولكن هذه الفتاة، قبل مجيئها إلى فرنسا لتشارك في تتابع الشعلة، قامت وحدة عملها بتسريحها. قالت واحدة من صديقات جين : " كانت تعمل على بدالة هاتف في فندق لمدة عامين ونصف العام. وان التدريبات المتواصلة والمسابقات المتكررة استعدادا لأولمبياد المعاقين 2008 ، استهلكت بعضا من أوقات عملها مما تسبب في مشكلات مع صاحب عملها. ولكنها متفائلة على الدوام ولا تشكو أبدا".