أسعار الإسكان في الصين .. القفز الثلاثي في 30 سنة
بقلم : وانغ لي

 

       الإسكان من ابرز الأشياء التي تهم عامة الشعب الصيني . وخاصة في المدن الكبيرة ذات الكثافة السكانية العالية ، يظل امتلاك المسكن الخاص حلما يراود الكثيرين من سكانها . اليوم ، أصبح شراء المسكن حديث الساعة لدى الصينيين، في حين أن أسعار الإسكان في المدن تبقى غالية جدا . ولو دققنا النظر في تطور الإصلاح والانفتاح خلال ثلاثين سنة مضت ، ما وجدنا شيئا موصوفا بالدرامية بقدر تغيرات أسعار الإسكان في الصين .

تخصيص المساكن الترفيهية

       قبل تنفيذ الإصلاح والانفتاح في عام 1978، ما كان في الصين صفقات عقارية تذكر . وتحملت الحكومة كل الاستثمارات في العقارات ، وهي تهتم فقط ببناء المنشآت الإنتاجية وتستخف بغيرها ، مما أدى إلى ضعف بناء مرافق البنية الأساسية والمساكن الشعبية في المدن وعجزها عن مواكبة تطور المدن وازدياد عدد سكانها المطرد . في غضون زمانه ، تم تخطيط وتنفيذ الإسكان بحسب الإدارة المالية الحكومية ، ووزعت المساكن المنجزة على الموظفين والعمال كنوع من الخدمات الترفيهية لهم . لهذا السبب ، وجب على المرء الذي يريد امتلاك المسكن أن يحصل على عمل ثابت قبل كل شيء ، لكي تخصص له وحدة عمله مسكنا على حسب مدة عمله ووضعه العائلي وعدد أفراد عائلته ومنصبه الرسمي، مقابل إيجار رمزي ضئيل . أعفى هذا النظام الإسكاني عامة الناس من الأعباء في السكن . لكنه سبب مشكلة اجتماعية أخرى ، ألا وهي نقص حاد في المساكن للجموع الغفيرة من السكان . ففي المدن الكبيرة مثل بكين وشانغهاي ، كان كثيرون يسكنون مع أفراد عائلتهم من عدة أجيال في غرفة واحدة . فشغلهم دوما الحصول على مسكن واسع .

إصلاح النظام الإسكاني
       في عام 1980، كان معدل المساحة السكنية للفرد في المدن الصينية هو 3.6 متر مربع لا أكثر . فأصبح تحسين الظروف السكنية والبيئة المعيشية لسكان المدن ضرورة ملحة . دفع هذا الوضع تطور القطاع العقاري وخاصة بناء المساكن بعد بدء الإصلاح والانفتاح . في عام 1998، ألغت الحكومة تخصيص المساكن الترفيهية ، ودخلت المساكن سوق السلع كبضاعة تجارية . وفي عام 1992، أتمت الصين انتقالها من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق ، مما جعل سوق العقارات تتطور بخطوات متسارعة . في هذه الفترة ، أصلحت سياسة الانتفاع بالأرض ، حيث باتت الأرض مستخدمة بمقابل ولمدة محددة بعد أن كانت مستخدمة بلا مقابل والى اجل غير مسمى ، الأمر الذي ساعد في تراكم أموال كثيرة لإنشاء مرافق البنية الأساسية المدنية . وأسفر الطلب الهائل على المساكن عن ظهور "حمى العقارات"، بل أحدث "فقاعات عقارية" في بعض المدن في وقت تحفيز ازدهار السوق العقاري .
       في بداية القرن الحالي ، أقيمت في ضاحية بكين الشمالية مجموعة كبيرة من المباني السكنية التجارية سميت " منطقة تيان تونغ يوان السكنية " وتباع المساكن فيها بسعر 2160 يوان للمتر المربع . أثار هذا السعر المغري حماسة سكان بكين في الشراء . وهناك بعض الناس اختاروا وقتها ترك فرصة الشراء من جراء بعد المنطقة عن وسط المدينة . واليوم ، قد ندموا على قرارهم الماضي بعدما ارتفع سعر المساكن ارتفاعا كثيرا واكتملت المرافق العامة في المنطقة تدريجيا . السيد جيانغ ، احد سكان بكين ، كان يقطن مع أفراد أسرته الأربعة بغرفة واحدة تبلغ مساحتها 30 مترا مربعا في مبنى بني في ستينات القرن الماضي بشارع دونغدان بقلب المدينة ، وهم يستخدمون المطبخ العام ودورة المياه العامة مع جيرانهم . حصل على الغرفة والدا السيد جيانغ من وحدة عملهما في السبعينات . وبعد مهاجرتهما إلى خارج البلاد ، سكن فيها السيد جيانغ مع عائلته . وبعد افتتاح بيع مساكن تيان تونغ يوان ، بادر جيانغ إلى شراء شقة مركبة تبلغ مساحتها 200 متر مربع ، فتحققت تحسينات كبيرة على ظروف السكن لأسرته .

أسعار الإسكان تتغالى
       لم يمض وقت طويل على شراء السيد جيانغ الشقة الجديدة ، حتى أخذت أسعار الإسكان في كل البلاد ترتفع بسرعة وباطراد منذ عام 2002. وفي ظل ارتفاع أسعار الإسكان السريع ، ما عاد كثير من ذوي المال مقتنعين بامتلاك المساكن الخاصة بأنفسهم للسكنى فيها ، بل اتجهوا إلى استثمار أموالهم في العقارات للمضاربة . في البلدان الأجنبية ، تصل أسعار الإسكان إلى 3 – 5 أضعاف ما يتقاضاه الناس من رواتبهم السنوية . لكن في الصين ، تصل هذه الأسعار إلى 10 – 20 ضعف ما يحصل عليه أفراد فئة الموظفين من رواتبهم السنوية . إذن ، لا تحل صعوبة الإسكان لدى عامة الشعب الغفيرة لو لا إجراءات التنسيق والتحكم من قبل الحكومة . وفي الوقت نفسه ، لا مفر من أن ارتفاع أسعار الإسكان السريع المتطرف يسبب تناقضات اجتماعية متنوعة . إزاء هذا الوضع ، رسمت الحكومة منذ عام 2005 سلسلة من السياسات والإجراءات الرامية إلى تعزيز التنسيق والسيطرة على القطاع العقاري . ومع ذلك لا تزال أسعار المساكن ترتفع سريعا كما لو أنها فرس افلت زمامه .
       في ظل تضخم أسعار الإسكان المستمر، أصبح حلم سكان المدن العاديين في امتلاك مساكنهم الخاصة أبعد فأبعد عن التحقيق . الواضح أن رغبة الحكومة في " لكل ساكن مسكنه" سوف لا تتحقق بمجرد الاعتماد على إدارة سوق العقارات . وعليه تحركت مدينة قوانغتشو وغيرها قبل مدن الصين الأخرى إلى تطبيق الضمان الإسكاني على سبيل التجربة كطرح مساكن محددة الأسعار وإنشاء تجمعات سكنية جديدة . وفي عام 2007، أصدرت (( ملاحظات مجلس الدولة حول تسوية صعوبة الإسكان للعائلات ذات الدخل المنخفض في المدن )) ، وتشكلت أنظمة ضمان الإسكان الجديدة بصورة أولية ، حيث يمكن للعائلات ذات الدخل المنخفض الاستفادة من الإسكان الرخيص الإيجار أو الإسكان الاقتصادي العملي ، وتستطيع العائلات ذات الدخل المتوسط أن تشتري الإسكان التجاري المحدد الأسعار أو تستأجر الإسكان الاقتصادي وفقا لحقائق الأماكن المختلفة ، وتحصل العائلات ذات الدخل العالي على الإسكان بواسطة سوق العقارات .
       التحقت بنت السيد تشن بمدرسة ثانوية نموذجية لمدينة بكين تقع بالقرب من شارع دونغدان الذي ظل مركزا تجاريا هاما بوسط المدينة . وتسهيلا لذهاب بنته إلى المدرسة ، اشترى السيد تشن شقة في مبنى سكني بني حديثا في موقع المبنى السكني القديم الذي كان يسكنه السيد جيانغ وقد تم تهديمه وحل محله المبنى الجديد . أنفق السيد تشن مبلغا كبيرا لشراء الشقة لأن السعر المتوسط لشقق المبنى الجديد بلغ 51 ألف يوان للمتر المربع . والمبلغ التعويضي الذي حصل عليه السيد جيانغ عن هدم المبنى القديم ونقل سكانه تجاوز 8000 يوان للمتر المربع . على الرغم من كبر فارق الأسعار ، لا يندم السيد تشن على الأمر اعتقادا منه أن السعر المتوسط للمبنى سوف يرتفع إلى ما فوق 60 ألف يوان في المستقبل القريب .
       في الواقع ، شهدت أسعار الإسكان خلال الثلاثين سنة من الإصلاح والانفتاح تقدما اكبر بكثير مما يوصف بـ" القفز الثلاثي"، وبأدق تعبير هي تلمست طريقها إلى الأمام في أثناء الارتفاع الصاروخي . لا تخلو هذه العملية من الحالات الخاصة والارتباكات الكثيرة . لكنها عملية حتمية في فترة تطور الاقتصاد السريع . في عام 2008، بددت الأسطورة التي زعمت أن " أسعار الإسكان ترتفع دائما بلا هبوط ". ففي النصف الأول من هذا العام ، توالى فشل مزادات الأرض واحدا بعد الآخر في قوانغتشو وشانغهاي وغيرهما من المدن ، وبدأت أسعار الإسكان تتجه إلى المرونة . كما توقع الخبراء انه لم يعد في إمكان تجار العقارات لعب ورقة " مفهوم الاولمبياد" لرفع الأسعار بعد انتهاء دورة بكين الاولمبية ، خصوصا بعد إعلان الحكومة سياسات التنسيق والسيطرة لتعزيز إدارة الضريبة وتقديم الأرض في السنوات الأربع الأخيرة . ومن المرجو أن تعود أسعار الإسكان هابطة إلى المستوى المعقول إذا قامت الحكومة بتدقيق السياسيات المعنية وتطبيقها على نحو جاد .