هونغ جيانغ .. مدينة الأصالة والعراقة
بقلم : يان ينغ        تصوير : تشاو نا

 

       هونغ جيانغ، مدينة تابعة لمدينة هوايهوا في قديم الزمان، صغيرة لا يستغرق السير من شرقها إلى غربها ساعة واحدة. يجري فيها نهر يحمل اسم المدينة، وتعبرها 5 أنهار تصب بمياهها إلى بحيرة دونغ تينغ ثم إلى نهر اليانغتسي. كانت سهلة في المواصلات ومتطورة في النقل المائي، وشهد ازدهارها نهضة بالغة قبل 300 سنة.
       ذات يوم من هذا العام، وصلنا على متن السيارة إليها من بلدة فنغ هوانغ، بعد التغلب على وعورة الطريق لعدة ساعات. في البداية، لم أهتم بهذه المدينة الصغيرة، لأن التعب في الطريق وحسن انطباعي عن بلدة فنغ هوانغ، لم يبتعدا بعد مني.
       توقفت السيارة في شارع مفعم بالهرج والمرج، ثم دخلت في زقاق قديم ينتصب عند مدخله قوس حجري ضخم. كان الزقاق متلويا، والجدران على جانبيه مرقشة كأنها مكسوة بالطحالب الخضراء. قيل إن هذا الزقاق كان في الماضي سوقا مزدهرة، وفيما بعد أصبح منسيا تحول إلى منطقة سكنية. وحتى اليوم، مازالت النشاطات التجارية متداولة فيه. يقول الاكتشاف الأثري إن هناك اليوم 380 وحدة من المباني القديمة لأسرتي مينغ وتشينغ ( 1368 ـ 1911 )، ومساحتها الإجمالية تقارب 100 ألف متر مربع. ويعتقد الأثريون أن دراستها مهمة لمعرفة نبتة الرأسمالية في الصين.
       زرنا في المدينة نادي (( باوتشينغ )) الذي كان مكانا اجتمع فيه مشاهير التجار ذوو التأثير الواسع في المجالات التجارية وفي الشئون الإدارية.
       ما زالت آثار أسرتي مينغ وتشينغ في المدينة .. آثار المسكن والفناء والمعبد والنادي والمصرف ومشرب الشاي والنزل ومشرب الآفيون، ومنها يمكننا البحث عن مباهج أولئك التجار المشهورين ومساكنهم الفاخرة وضجيج البائعين والزبائن.
       حين دخولنا في هذه المدينة القديمة، كأننا دخلنا في رواق زمني طويل وعميق ليذكر لنا تاريخ كل ما فيه .. الزقاق الحجري ورصيف النهر والمحلات التجارية والمعمل والجدران المرتفعة .. كلها تحتوي على الثقافة التجارية وذروتها البائدة.
       إن الطرقات البالغ طولها 8 كيلومترات، مفروشة بالبلاطات السوداء، تشبه الشبكات المطرزة. وضعت على جانبيها 40 وعاء كبيرا لاستخدام المياه فيها في إطفاء الحريق، والعبارات الملصقة على أبواب البيوت مفعمة بالمعاني الفلسفية، فلا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن المدينة لا تخلو من الرزانة والأناقة.
       تجولنا في بعض العوائل، وجدنا الأطفال يلعبون في حرية لعبات لعبناها في الطفولة، والعجائز في النعاس الهادئ .. إنها الحياة، الحياة السلمية والسعيدة.
       زرنا في المدينة ليومين، وتركت في ذهني انطباعات عامة .. هي الجمال والتناقض والانسجام .. الطرقات واسعة تجري عليها عربات الخيول والسيارات الحديثة، تقف على ضفاف النهر ناطحات السحاب وتواجهها قوارب صيد ذهابا وإيابا .. على ما يبدو أن انطباعاتي هي تجسيم لتاريخ هذه المدينة وثقافتها العريقة حقا.