2001-1
 

 

العلم والتكنولوجيا

رحلة الى معهد (( تيانتايشان )) البوذي

بقلم وتصوير : تشان وانغ


كانت السماء مظلمة في الرابعة صباحا . بدأ الطلبة البالغ عددهم عشرات الأفراد في معهد ((تيانتايشان )) البوذي، يقومون من النوم، و يدخلون في قاعة كبيرة في الخفاء ويتلون الكتب المقدسة البوذية بصمت .

هكذا، بدأ يوم جديد في هذا المعهد البوذي .

انطلقت سيارتنا من هانغتشو حاضرة مقاطعة تشجيانغ، متجهة الى جبال (( تيانلاو )) الممتدة في شرق المقاطعة، وبعد أن عبرت شاوشينغ وتشنغتشو وشينتشانغ ، هبطت منها حتى وصلت الى محافظة تيانتايشان التي يقع فيها المعهد البوذي المذكور . أذكر أن طائفة (( تيانتاي ))، وهي أول طائفة للبوذية الصينية، ولدت في أعماق هذه الجبال .

جاء في المدونات البوذية أن تاريخ طائفة تيانتاي يرجع الى 1400 سنة . ومنذ تأسيسها جاء اليها بوذيون باستمرار من اليابان و شبه جزيرة كوريا وبلدان أخرى لدراسة الشرائع الدينية . ثم عادوا بكتب للدعوة الدينية . شهدت هذه الطائفة ازدهارا في عهد أسرتي سوي و تانغ ( 581 – 907 ) . وبعدئذ تضاءلت بسبب تصاريف الدهر . أما في عشرات السنين الأخيرة، فازدادت في الصين اتصالات ثقافية مع الخارج ازديادا مكثفا. ، وتزايد عدد الرهبان البوذيين الذين جاءوا من البلدان المجاورة للحج الى هذه المنطقة المقدسة وازداد عدد المنظمات الدينية الأجنبية التي جاءت بحثا عن أصول هذه الطائفة . قبل اكثر من 10 سنوات، أسست في تيانتايشان ندوة خاصة لإعداد رجال الدين كي يجمعوا ويحفظوا و يدرسوا أسفارا كلاسيكية عن طائفة تيانتاي . والغرض منها وراثة خلاصتها التي تراكمت منذ اكثر من ألف سنة . وإضافة الى ذلك ، أعيد بناء 10 معابد كبيرة و صغيرة، بما فيها معبد (( قوتشينغ)) . و قد عقدت ندوات اكثر من مرة لتبادل النشاطات الثقافية البوذية الكبرى مع اليابان و كوريا . وبتأييد الدولة أسس عام 1999 معهد (( تيانتايشان )) البوذي، ومقره في (( ساحة باغودة الحكماء )) التي تعتبر أرضا مقدسة لطائفة تيانتاي .      

في امتحان اللغة الإنجليزية

 

(( بو تشاو )) ، طالب راهب جاء من تيانشويي بمقاطعة قانسو يدرس في المساء  

 

يتناولون الوجبة في المطعم في انتظام مشدد

في بحر الإيمان

بعد الدرس

تقول حكايات ان البوذية تخيم عليها الألغاز، و المعبد يسوده الغموض، ويختلف الرهبان عن الإنسان الطبيعي في الأقوال و الأفعال والتفكير و التصرفات والميول الروحية .  إنني وجدت في تعريجي على المعهد في ثلاث مرات ، حياة أتباع البوذية ليست فقيرة ومستوحشة ومنعزلة عن العالم الخارجي وبعيدة عن أضواء الحضارة العصرية ،كما وصفها البعض . في اليوم الأول من زيارتي الأولى للمعهد، تمشيت في ساحة الدار بعد نزولي بها .فرأيت فجأة في إحدى الغرف، مجموعة مؤلفة من 4-5 رهبان يجتمعون حول جهاز كمبيوتر لتشغيله بارعين . تأثرت كثيرا، ورفعت الكاميرا، وصورت هذا المشهد . وهم ينظرون الي حينئذ بنظرة الدهشة أمام مشاعري بالدهشة . بعد أيام، عرفت أنهم ليسوا ينظمون ويرتبون شئونهم الإدارية و المالية ويكتبون الوثائق الرسمية بالكمبيوتر فحسب، بل يحررون نصوص الخطابات المرسلة الى أهاليهم بها أيضا . الأجهزة التعليمية و الحياتية عندهم متوفرة . هم الآن يستعدون  لإيصال كمبيوتراتهم بشبكة الإنترنت و تمديد الخطوط الكهربائية لمشاهدة البرامج التلفزيونية الكبلية .                                  

من شروط الدارسين في المعهد، انهم من أتباع البوذية ومجتهدون في الدراسة ، و ممتازون في امتحان المعلومات الثقافية و البوذية . بعد إنهاء الدراسة، يمكن لأبرز الخريجين أن يبقوا في المعهد لمواصلة الدراسة كطلاب دراسات عليا . ويمكن للآخرين أن يكونوا مبعوثين الى اليابان أو كوريا، أو يعودوا الى معابدهم الأصلية . القرار النهائي يحددونه بأنفسهم .

حياة الرهبان الدارسين مثل حياتنا نحن الإنسان الطبيعي . يبدأون التحركات في الظلام قبل الفجر . بعد أن يتلقوا الدرس الصباحي، يكنس المناوب ساحة الدار، والآخرون ينظفون غرف النوم ودورة المياه . في تمام الساعة الخامسة، يتناولون الفطور في المطعم، ثم يبدأون قراءة الكتب مثنى وثلاث واستظهار الأسفار الدينية مواجهين لإشراقة الشمس في غابة الصنوبر أو على الدرجات الحجرية أو في خارج المعهد .وبعده يعودون الى غرف الدرس لتلقي المعلومات المتنوعة . عليهم إنهاء تعلم تاريخ الدين البوذي الصيني و العالمي وشرائع طائفة تيانتاي والشعر الصيني القديم وفن الخط و اللغة الصينية القديمة

معهد تيانتايشان البوذي بين الأشجار القديمة  

و الأوضاع الراهنة والسياسات الدينية و اللغة الإنجليزية، في مدة ثلاثة أعوام فقط . وذلك لإرساء أساس لبحث علم البوذية و الاتصالات الخارجية مستقبلا . الأساتذة البوذيون في المعهد، هم مدرسوهم الرئيسيون، ومدرسو اللغة الصينية القديمة و اللغة الإنجليزية، هم أساتذة متقاعدون من المدارس العليا . إن الإنجليزية صعبة بالنسبة لهؤلاء الذين يختلف مستوى تعليمهم من واحد الى الآخر، إلا انهم يتعلمونها بجدية فائقة . وأحيانا تزدحم غرفة النوم لمدرس الإنجليزية بالطلبة في المساء وحتى في منتصف الليل . بعد ظهر كل يوم ، يجتمع الطلبة الرهبان في أزياء خاصة للراهب في القاعة الكبيرة لتلاوة الأسفار وجلب الحظ بانتظام مشدد .

قبيل الدخول الى غرفة الدرس

الطلبة الرهبان في سبر أغوار الشرائع البوذية  

بعد الدرس المسائي يتناولون العشاء النباتي المؤلف من الخضروات و اللفت و الفواكه والطعام المصنوع من الفول والمخللات . بالرغم من أن هذه المأكولات عادية ورتيبة، إلا أنها شهية ولذيذة عبر الطبخ البارع .

خلال مدة ساعة واحدة بعد السادسة مساء وقبل الدرس المسائي، يستطيعون التمتع بحرية مريحة .. يتمشون جماعة جماعة على سفوح التلال أو على الدروب المتلوية، والشمس تهبط شيئا فشيئا، وسحب الشفق تتعلق على سماء الغروب ، ومصابيح الأعمدة تضئ مدينة تيانتايشان الواقعة عند أقدام الجبل .

بعد أيام من مكوثي في المعهد، غادرته في الصباح . ودعت 7 أساتذة بوذيين و40 شخصا من طلبتهم الرهبان . ودعتُهم حاملا على كتفي الكاميرا ، ودعتُهم وقلبي مثقل بالهموم، ووجوههم تظهر وتختفي في ذهني من حين الى آخر ..