|
في
لحظة قبيل غروب الشمس ، بدت القلعة
القديمة في العدسة كما لو أنها مقصوصة
ظلية ، بينما تحولت السماء الى اللون
الأحمر بتدرج ، فظهرت في المرأى صورة
محزنة مهيبة . ها هي أطلال معسكر
تشيوانشنغ للسور العظيم الجنوبي في
قرية يونغشينغبينغ بمحافظة فنغهوانغ ،
مقاطعة هونان . وبجانبها أعلن السيد
لوه تشه ون عالم الآثار القديمة ونائب
رئيس جمعية سور الصين العظيم في
السبعين من عمره وهو يلمس جدارها
بانفعال : إنه السور العظيم الجنوبي
الذي بذل أقصى جهده للبحث عنه عبر 50 سنة
.
 |
|
 |
|
الباب الشمالي المخرب لقلعة
وانغبوتون
|
|
برج لمرابطة القوات على السور
العظيم الجنوبي
|
عرف
السور العظيم الجنوبي باسم " سور
مياوجيانغ " أو " السور العظيم
الصغير " في المدونات التاريخية .
طوله الإجمالي اكثر من 190 كم ، ويقع
معظمه في محافظة فنغهوانغ بغرب مقاطعة
هونان . بني هذا السور من اللوحات
الصخرية في القرنين الـ16 والـ17 خدمةً
لسياسة الاحتواء والحصار التي مارستها
حكومة أسرة مينغ وأسرة تشينغ ضد
الأقليات القومية في جنوب الصين وخاصة
قومية مياو . لذا يعتبر سجلاًّ مجسماً
لحقبة من تاريخ قومية مياو وميزانا
للعلاقة القومية في غرب هونان على مدى
300 سنة .
ممر
تينغتسي
يقع
ممر تينغتسي في حدود محافظة فنغهوانغ
الغربية ويلتحم مع أرض مقاطعة قويتشو .
هو نقطة البدء لسور مياوجيانغ ، تم
بناؤه على جبل مستقل يحيط السور بسفحه
ليشكل استحكاما مستديرا . اليوم لا
يمكن للمرء إدراك سيمائه في الزمن
الماضي إلا من خلال قاعدة السور
المخربة الباقية بين الأعشاب البرية .
كانت
حكومة كل من أسرتي مينغ وتشينغ تلجأ
الى سياسة الحملة التأديبية والحصار
لقمع تطور الأقليات القومية في جنوب
الصين وخاصة قومية مياو . وقد أنفقت
حكومة أسرة مينغ 43 ألف تايل من الفضة
لإنشاء سور حدودي في غضون 5 سنوات منذ
عام 1615 . امتد السور من ممر تينغتسي الى
معسكر العقعق عبر معسكرات هوانغهوي
والعنقاء الجديدة وآلا وتشيوانشنغ
وقاعة العنقاء ودشنغ وتشنشي ، وهو
متعرج بين الجبال والوديان في غرب
هونان ليشكل مجموعة دفاعية طويلة تضم
القلاع والأبراج والممرات ومواقع
المدفعية والمخافر بالإضافة الى السور
، وتفصل بين منطقة " مياو الأليفة
" ومنطقة " مياو الهمجية " .
ممر
تينغتسي حصن هام في أقصى غرب سور
مياوجيانغ ، له 3 أبواب في جهات الشرق
والغرب والجنوب ، لكنها قد تهدمت جميعا
. على جدار الممر 4 منصات للمدفعية ،
بقيت آثار قواعدها فقط في الوقت الحالي
. هرم الممر وكاد ينهار على نحو ما
انهارت أسرة مينغ وأسرة تشينغ مع
تقلبات الدهر . واليوم يتعايش هناك
أبناء قومية هان وقومية مياو بالألفة
والمودة .
تغيرات
قلعة قديمة
صعدنا
قمة جدار القلعة لمعسكر العنقاء
الجديدة في ضوء الشمس . كان المعسكر
محصنا منيعا ترفرف الأعلام والرايات
في سمائه ، وتتوالى عليه معارك
ومقاتلات لا يحصى عددها . الآن يدعى هذا
المكان " هوانغ سي تشياو " ويشغل
من الأرض 29 ألف متر مربع . ظلت جدران
القلعة وأبراجها سليمة باعتبارها اكمل
قلعة بقاءً الى يومنا هذا . ورمينا
أنظارنا من على الشرفات المفرجة
للقلعة ، فرأينا مناظر الجبال الزرقاء
والحقول الخضراء تمتد أمام أبصارنا .
في محافظة فنغهوانغ 848 معسكرا وقلعة
أغلبيتها قد تخربت ، وهدمت أقسام السور
المرتبطة بين القلاع والمخافر تاركة
أماكن كثيرة ما زالت تحمل أسماء "معسكر"
و"قلعة " و"مخفر ".
كان
هوانغ سي تشياو معسكرا هاما في العصور
المنصرمة . ولا تزال ثكنات الجنود من
الجدران الترابية والقراميد الداكنة
موجودة حتى الآن . ويعتقد بأن كل صخرة
وشرفة على السور ، بل كل شبر من الأرض ،
تنطوي على قصة غير عادية .
غرب
مقاطعة هونان معروف عنه شموخ الجبال
وكثافة الضباب ، وقد عانى أهاليه
معاناة كثيرة في التاريخ . تفيدنا
المدونات التاريخية أن العمليات
العسكرية الواسعة النطاق لقهر قومية
مياو وقعت 30 مرة خلال 234 سنة من عام 1381
الى عام 1615 . ومن اجل قمع انتفاضة أبناء
مياو الكبيرة في عام 1795 ، أرسلت حكومة
أسرة تشينغ قوات من 400 ألف جندي الى غرب
هونان . و" كانت الدماء قد كَسَتْ
باللون الأحمر القاني كل طريق وكل قلعة
" على حد وصف الأديب شن تسونغ ون في
كتابه (( العنقاء )) .
فجأة
، ظهرت في عيوننا امرأة تحمل سلة
خيزرانية بيدها وتجر طفلة في زي أحمر
بيدها الأخرى ، وهي تسير الى جهتنا
بخطوات رشيقة في طريق مبلط ظليل . ودخلت
المرأة مع الطفلة الى بيت فلاحي . وما
لبث أن ارتفع دخان الطبخ من المدخنة
على سطح البيت . وقتها تنفسنا تنفسا
عميقا وتغيرت قلوبنا المثقلة بالهموم
الى طروبة ومرتاحة .
الشمس
الغاربة على السور العظيم الجنوبي
وقفنا
فوق أعلى أطلال قلعة وانغبوتون عند
المغيب .
بدت
هذه القلعة الواقعة في قرية تشوانيان
بقضاء هوانغخه مهيبة رائعة . تتربع على
قمة جبل مرتفع ، فتظهر كل المناظر على
مسافة 50 كم من حولها تحت مدى البصر . عرض
القلعة حوالي 50 مترا ، وطولها 300 متر
تقريبا . تشبه القلعة البيضوية الشكل
سفينة كبيرة . لها 3 أبواب في جهات الشرق
والغرب والجنوب . وتبلغ جدرانها مترين
سمكا و2-5 أمتار ارتفاعا . بنيت القلعة
في محاذاة التضاريس . وما زالت آثار
فتحات إطلاق السهام في الشرفات بعرض 90
سم ماثلة للعيون .
كان
السور الممتد من القلعة الى مئات
الكيلومترات قد خضع لعدد من التهديمات
والترميمات خلال سنوات أسرتي مينغ
وتشينغ . فقد تهدمت مرات بأسباب منها
الريح والمطر وسوء نوعية البناء لكن
أهمها هو انتفاضات أبناء مياو عبر
العصور . مثلا هبَّ أبناء مياو
للانتفاض عام 1628 مقاومةً ضد اضطهاد
الحكومة المستبدة ، وقضوا على 7800 فرد
من القوات المرابطة لدى السور وسوّوا
السور بالأرض . واستغرقت انتفاضة 1795
الكبيرة اكثر من عشر سنوات ، فتخرب
السور مرة أخرى . وبعد إخماد بلاط أسرة
تشينغ الانتفاضة بالجيش الجبار ، أعاد
بناء السور " لتوطيد الحدود وتشديد
الاحتياطات ضد الثوار ". وفي العصر
الحديث ، تصالح أبناء القوميات
المختلفة وباتوا يتعايشون بوئام ووفاق
. ففقد السور فاعليته ، ونقل الأهالي
المحليون من قومية مياو وقومية هان
أحجار السور الى حاجات أجرى. ولم يبق
حاليا إلا بضع قلاع مبنية على قمم
الجبال وبعيدة عن القرى .
مالت
الشمس الغاربة الى وراء الجبال .
وهبَّت الريح المسائية تداعب وجوهنا .
كنا واقفين فوق أعلى أطلال القلعة نجول
بأبصارنا في الجبال المحيطة ، وانبعثت
نغمات المزمار العمودي للتاريخ القديم
من أعماق قلوبنا ، ووجدنا الشمس
الغاربة جميلة ومحزنة تترك القلعة
وادعة ساكنة في جوف الليل ..
|

|

|
|
قرية ينغبانتشاي بقرب معسكر
تشيوانشنغ بنيت كل بيوتها وطرقها
من الأحجار واللوحات الصخرية .
|
آثار السور لدى قلعة وانغبوتون
|
|