|
المروج
في شمال التبت .. جوها بارد وأرضها
متجمدة بردا في فصل الشتاء.
في الفجر، عندما تتعلق
على جانب السماء بعض النجوم
المتغامزة، تقوم (( كونغار)) زوجة
الراعي (( سانغتشيو )) من النوم، وتذهب
إلى الينبوع على بعد أكثر من مائة
متر عن بيتها لجلب الماء كي تعد شاي
الزبدة على نار مشتعلة بروث البقر.
ثم تكنس دار البيت في خفة، خوفا من
إزعاج حماتها وزوجها وأبنائها، فهم
ما زالوا في النوم العميق. حياتها
هذه روتينية على مدار أيام السنة.
تجاوز عمرها نصف مائة سنة. تعمل،
مثلها مثل غيرها من الراعيات، من فتح
العينين صباحا إلى غمضهما مساء.
ملامحها شاحبة وظهرها منحن، ولكن
التعابير في وجهها هادئة دوما.
أول من تناول الفطور
الذي أعدته الوالدة، هو إبنها
الخامس (( دوغ جي )). وبعد أن ينتهي من
الافطار، يغادر البيت في عباءة وبرة
ثقيلة، ومعه إبريق من شاي الزبدة
وقطعة من لحم البقر، ويسوق قطيعا من
بقر الياك إلى الطريق المغطى
بالثلوج متوجها إلى المرعى. وفي
الوقت نفسه، يخرج قطيع وقطيع من بقر
الياك من القرية المتكونة من 30 عائلة.
الجو بارد لا يتحمله الرعاة. يقضي
دوغ جي بمواشيه يوما كاملا في المرعى
الذي فيه الثلوج رقيقة والأعشاب
الجافة مرتفعة. لا يشعر بالوحدة،
فمعه رعاة آخرون من قريته أو القرى
المجاورة، ويشاركهم في التشميس
وتبادل الحديث في أمور الساعة
والغناء وشرب الشاي وأكل الطعام
الخاص لأبناء التبت المسمى "
زانبا ". دخل دوغ جي أبواب تجربة
الحب وله من العمر 20 سنة. ربما يصادف
في يوم ما راعية شابة جميلة لتكون
شريكة حياته.
الراعي سانغتشيو، رب
العائلة. عمله الأول بعد النهوض من
الفراش، هو إزالة الغبار عن تمثال
بوذا. أعماله الرئيسية في الشتاء فتل
خيوط الصوف لخياطة ملابس جميع أفراد
العائلة. وحتى الأزياء الفاخرة التي
يرتديها أفراد العائلة في المناسبات
المباركة، هي مصنوعة على يدي هذا
الرجل الغليظتين., يشتهي خمرا من
الشعير التبتي مصنوعا من نفس
عائلته، ويسكر به حتى يضيع صوابه في
الأيام السارة.
برد الشتاء بارد. تقوم
أمه (( إيشي )) ( 82 سنة ) من فراشها
الدافئ متأخرة
دائما.
بعد القيام من النوم، تجلس في دار
البيت ملفوفة بعباءة جلدية، وتتلو
الأسفار البوذية تحت أشعة الشمس من
جهة، ومن جهة أخرى تدير دولاب
التلاوة بالإصبع. وهذا الدولاب
تديره بلا انقطاع وتديره من الدنيا
إلى الآخرة ..
يعود دوغ جي إلى البيت
بمواشيه تعبانا والظلام قد سيطر على
السماء، والأهالي يجلسون حول الموقد
في انتظاره من الرعي. ثم يشربون شاي
الزبدة ويأكلون الطعام ويتجاذبون
أطراف الحديث ويستمعون إلى جهاز
الراديو تحت ضوء مصباح الغاز لقضاء
الأوقات الساخنة في الليل البارد.
تعيش عائلة سانغتشيو
في محافظة دامشيونغ عند أقدام جبال ((
نياينتشين تانغلا ))، تضم بضعة عشر
فردا، منهم 6 أولاد وبنتان. ثلاثة
أبناء قد أنشأوا عوائل لأنفسهم.
والبنت الكبرى تزوجت من فتى في قرية
أخرى. إثنان من أبنائه يرعيان قطيعا
من 80 شاة و70 بقرة، والاثنان الآخران
يدرسان في مدرسة ابتدائية. تقيم
عائلة إبنه الأول والثاني في قرية
مجاورة تعيش على النقليات بالشاحنة.
في السنوات القليلة المنصرمة زادت
دخول عائلته عن 10 آلاف يوان سنويا،
اشترى بها الشعير التبتي ومواد
اللباس والحاجات اليومية وما يستعمل
في تقديس بوذا.
تقع مروج شمال التبت
في أحضان هضبة تشينغهاي – التبت
المسماة بـ "القطب الثالث للكرة
الأرضية ". معدل ارتفاعها فوق 4500
متر عن مستوى سطح البحر. أكثر
حرارتها انخفاضا في الشتاء 40 درجة
مئوية تحت الصفر. ولا تبلغ مدة موسم
النمو الزراعي إلا 4 أشهر. ظروفها
قاسية زادت من قدرة الأهالي
المحليين على المقاومة ضد البرودة
والافتقار إلى الأكسجين.
تحدث في المنطقة كوارث
طبيعية متعددة .. الإعصار والثلج
والرعد والهزة الأرضية ..
تلحق أضرارا بمواشي الرعاة،
فيغادرون اضطرارا إلى مكان آخر ..
حياة الرعاة قاسية لا يعرف
الآخرون آلام قسوتها، وكذلك أيضا لا
يعرفون الحلاوة والسرور في مثل هذه
القسوة. لقد تعودت عائلة سانغتشيو
على الحياة في الشتاء الطويل. ومع
ذلك ينتظرون هم ومواشيهم حلول فصل
الربيع التالي، لهم أعمال كثيرة في
الربيع : جز الصوف، حلب البقر، جلب
الملح إلى جوانب البحيرة البعيدة،
شراء ..الحبوب الغذائية، ممارسة
التجارة البسيطة
|