|
ما
إن ينبلج الفجر ، حتى يتجه كثير
الناس الى الجبل خلف معبد دريبونغ
انتظارا لبدء الاحتفال .
في
الطريق الى الجبل رأيتُ أكواماً
كثيرة من أوراق شجر السرو المشتعلة
يرتفع منها الدخان الكثيف ليخلق جوا
مفعما بالتقوى والغموض . والجبل الذي
تعلوه منصة تشميس بوذا جبل اصفر
رمادي اللون ، تكسوه صخور كبيرة
شهباء نقشت على كثيرها نصوص ملونة من
الأسفار البوذية . على سفح الجبل
هيكل حديدي ضخم حجمه يعادل نصف ملعب
كرة القدم ألا وهو منصة تشميس بوذا .
لقد احتشد القوم بأعداد كبيرة تحت
الهيكل وفي الوادي . وطرقت سمعي
أصواتهم الممزوجة من اللغات التبتية
والصينية والإنجليزية .
اكتست
سماء الشرق لونا ذهبيا . وفجأة صدح
نداء البوق من الوادي . فأدار الجميع
وجوههم الى جهته . وخُيلَ لي أن ذلك
الصوت ذهبي اللون أيضا وهو شبيه
بزئير الأسد . ثم ظهرت على سفح الجبل
رايات صفراء برتقالية يسير تحتها صف
من الرهبان في عباءات حمراء ، يتراوح
عددهم بين 40 و50 راهبا ، وهم يحملون
لفيفة طويلة ثقيلة على أكتافهم . شق
الرهبان طريقهم بين الزحام الى
الهيكل الحديدي . ومع صراخهم الجماعي
، انبسطت اللفيفة على الهيكل من فوق
الى تحت . فتغطى السفح فوراً بقماش
ابيض ناصع . وبعد برهة تدلت حبال من
أعلى الهيكل ورُبطت بالقماش الأبيض
ثم جُرَّت رويداً رويداً الى فوق ،
فانكشفت صورة بوذا الزاهية الألوان
ببطء .. ظهر صدر بوذا أولا ، ثم عنقه ،
وفمه ، وأنفه، وعيناه وجبينه ،
وأخيرا برزت الصورة بكاملها . وفي
حينه طلعت الشمس ذروة الجبل الشرقي
وأشرقت الصورةَ كلها . تمَّت هذه
العملية في 20 دقيقة تقريبا . وكانت
دقيقة محكمة تخلو من أية حركة زائدة .
بلغت
الصورة 70 أو 80 م طولا وعرضا . يرى فيها
مؤسس البوذية ساكياموني باسما جالسا
متربعا كأنه يتحدث حديثا ممتعا
ولذيذا . ومن حوله عدد من حراس بوذا
في أوضاع مختلفة يحاط كل منهم
بهالتين ملونتين من النور . وبدت
الصورة المنسوجة بالحرير الملون
مهيبة رائعة مفعمة بالحيوية . لا
يستطيع المرء أن يشاهدها بوضوح إلا
على بعد . أما الذي يقف بجانبها فلا
يقدر على التمييز بين أجزائها . ساد
السكون الموقع أثناء عملية بسط
الصورة . وكثير من الناس مدُّوا
أعناقهم مذهولين فاغري الأفواه .
وتأثر كل واحد بهذا المشهد المثير
سواء أ كان متعبدا بوذيا أم غير
معتنق للبوذية .
اندفع
القوم الى الأمام يرمون مناديل
الترحيب الحريرية والنقود الى
الصورة ، فتساقطت هذه الأشياء
كالمطر على الصورة ، وتكدست في
محيطها . وقف الرهبان حول الصورة
ورفعوا حافاتها ليتحسّس الناس
الصورة برؤوسهم وأيديهم . ولم يغادر
الكثيرون بعد لمس الصورة ، بل ضمُّوا
الكفَيْنِ معا أمام الصدر وهم شبه
مغمضي العيون ، وتلوا الأسفار
البوذية كما لو أنهم جماعة من
التماثيل .
عندما
أضاءت أشعة الشمس كل الوادي ، تبدد
الناس جالسين على الأرض هنا وهناك
بعد لمس الصورة ، يعزف بعضهم آلات
الطرب ويغنون أو يرقصون ، ويتلو
بعضهم الآخر الأسفار البوذية ويؤدون
الصلوات . وكان الرهبان يتفسحون بين
الناس ويتفرجون على هذا المشهد
البهيج . فانغمر الوادي كله في أفراح
العيد السعيد .
|