2001-8  

مقالة خاصة في هذا العدد

التبت في الخمسين سنة الماضية

 


كلمة المحرر :

الصين دولة موحدة متعددة القوميات ، فيها 56 قومية تشكل أسرة كبيرة يشارك بعضها بعضا في السراء والضراء وتتعايش بالألفة والمودة عبر عصور التاريخ الطويل . وفي مجرى التبادلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الوثيقة بين أبناء القوميات المختلفة، وضعت التبت حدا للحكم الانفصالي المحلي في القرن الثالث عشر وانضمت رسميا الى السيادة الصينية لتكون جزءا هاما لا يتجزأ من أراضي الصين .

تحررت التبت سلميا في عام 1951. كان ذلك نقطةَ انعطافٍ عظيمةً في تاريخ التطور الاجتماعي التبتي ونتيجة حتمية حققتها الأمة الصينية في سبيل غسل عارها المتمثل في الفقر والوهن منذ بدء العصر الحديث والتقدم نحو النهضة الجديدة العظيمة ، كما انه مطلب موضوعي لتقدم التبت الاجتماعي .

مرت 50 سنة . شهدت التبت خلالها تغيرات عملاقة وأحرزت إنجازات باهرة لا مثيل لها في أي زمن من الأزمنة الغابرة . لقد بسطت تطورات التبت في هذه السنوات الخمسين لوحة فنية ضخمة رائعة عن التقدم التاريخي أمام عيون الناس .

 

 في 21 سبتمبر عام 1954 استقبل الرئيس ماو تسي تونغ ( في الوسط ) داينزين غيامتسو – الدالاي لاما الرابع عشر ( في اليمين ) وارديني تشويجي غيانتساين – البانتشين لاما ( في اليسار ) في تشونغنانهاي مقر القيادة الصينية المركزية عندما جاءا الى بكين لحضور الدورة الأولى للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني كممثلين للتبت .

 الدراجة النارية من اسهل وسائل المواصلات في التبت .

 تدوير أنابيب التلاوة

 

التبت في الخمسين سنة الماضية

تقع منطقة التبت ذات الحكم الذاتي في أقصى جنوب غرب الصين ، وتبلغ مساحتها 1.2 مليون كيلومتر مربع ، ويزيد معدل ارتفاعها عن سطح البحر على 4000 متر . تشغل رقعتها الجغرافية الجزء الأكبر من هضبة تشينغهاي – التبت ، فجرت العادة على تسميتها "سقف العالم ". هي من أهم المناطق المأهولة بأبناء قومية التبت في الصين . ومن مجموع عدد سكان المنطقة البالغ 2.24 مليون نسمة اكثر من 95 % من التبتيين .

عرفت التبت حروفها الكتابية منذ القرن السابع تقريبا . وتشكلت ثقافتها التقليدية مبدئيا بعد أن وحَّدت مملكة توبو كل المنطقة . وبسبب انتشار الديانة البوذية فيها من القرن التاسع الى القرن الرابع عشر ، تطورت ثقافتها القومية القائمة على العقيدة البوذية بموضوعاتها الغنية ونظامها الكامل . ووصلت الثقافة التبتية التقليدية الى ذروة الازدهار في القرن الخامس عشر ، إذ لوحظ فيها الأدب الأنيق والشعر الجميل والمعمار المميز والنحت الرائع ، كما تنوعت المسرحيات والأغاني والرقصات ، وشاعت ممارستها بين الشعب . إضافة الى ذلك نما علم الطب التبتي وعلم الفلك والحساب والتقويم الى أن تشكلت مجموعة نظرية قائمة بذاتها وتكدست لها تجارب وفيرة .

في القرن السابع أسَّس السياسي البارز للتبت القديمة سونغزان غامبو مملكة توبو ، وتزوج بالأميرة ون تشنغ لأسرة تانغ ، وأقام العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية الوثيقة مع قومية هان في سهول الصين الوسطى . فتشكل حلف سياسي قوي بين التبت والحكم المركزي مما أدى الى إرساء الأساس لإنشاء دولة موحدة فيما بعد . وفي عهد أسرة  يوان في أواسط القرن الثالث عشر انضمت التبت الى السيادة الصينية رسميا ، وخضعت لإدارة الحكومة المركزية ، وصارت جزءا لا يتجزأ من أراضي الصين . في عام 1372 ، انعم الإمبراطور تشو يوان تشانغ لأسرة مينغ على غيايانغ الزعيم الثاني لمذهب " الدين الأبيض " البوذي بلقب " الملك القانوني " وولاّه السلطة على التبت . ومن بعده ، تابع كل حاكم من حكام التبت عرف قبول السلطة الرسمية من الحكومة المركزية عند اعتلائه العرش .

بعد ولادة جمهورية الصين الشعبية ، ومن أجل تحقيق الأمل المشترك لشعب كل البلاد من مختلف القوميات ، بما فيها القومية التبتية ، في توحيد بر الصين ، وقعت الحكومة الشعبية المركزية مع سلطات التبت المحلية (( الاتفاقية الخاصة بإجراءات التحرير السلمي للتبت)) في 23 مايو 1951 ، وتحررت التبت سلميا . وأنشئت منطقة التبت ذات الحكم الذاتي رسميا في 1 سبتمبر 1965 .

كانت التبت منذ دخولها الى مجتمع القنانة الإقطاعي في القرن الثالث عشر حتى تحريرها السلمي قد عاشت قرونا عديدة في نظام القنانة الإقطاعي الجامع بين الدين والسياسة تحت دكتاتورية اللامات والنبلاء ، حيث لم يجد الأقنان والعبيد الذين يزيد عددهم عن 95 % من مجموع سكان المنطقة أية حرية شخصية وجُرِدُوا من حقوق الإنسان الأساسية . واستطاع المَلاّك أن يضرب ويعاقب ويبيع ويمنح بل يسجن ويقتل الأقنان والعبيد كما يشاء . وحسب قوانين التبت المحلية أن الطوائف الاجتماعية انقسمت الى 9 درجات من 3 أصناف ، أي " يصنف الناس الى الصنف الأعلى والصنف الأوسط والصنف الأدنى ، وينقسم كل صنف الى درجة عليا ودرجة وسطى ودرجة دنيا ". وثمن حياة المرء من الدرجة العليا للصنف الأعلى يساوي كمية الذهب بوزن بدنه . أما ثمن حياة المرء من الدرجة الدنيا للصنف الأدنى فيساوي فقط حبلا قشيا . وكان للمحاكم والسجون في التبت أن تضع عشرات العقوبات الفظيعة للتعامل مع المخالفين لقوانينها وأنظمتها مثل فقئ العينين وجدع الأنف وبتر اليد وقطع القدم واقتلاع الوتر .. الخ . في ظل نظام القنانة الإقطاعي التبتي المتخلف والفاسد ، ازدادت التناقضات الاجتماعية يوما بعد يوم وعرقلت تقدم المجتمع بشدة . قال رئيس منطقة التبت الذاتية الحكم الحالي ليتشوي ( من قومية التبت ) :" قلما شوهد نظام مثل هذا النظام المظلم القاسي في تاريخ البشرية الحديث والمعاصر."

لقد امتلك الأسياد الثلاثة – الحكومة المحلية والنبلاء واللامات من الطبقة العليا الذين يقل عددهم عن 5 % من مجموع السكان كافة الأراضي والمروج والغابات والثروة الحيوانية في التبت تقريبا . وكان الأقنان والعبيد أملاكا لأصحابهم منذ ولادتهم ، وتحملوا إيجارات الأراضي الباهظة وما يقرب من مائة ضريبة وأعمال السخرة بلا مقابل . ولم يسمح لهم بالزواج دون إذن الملاك من الطرفين . وبعد موتهم شطب الملاك أسماءهم من السجل لا اكثر.

 

 الطريق الجبلي الحلزوني في محافظة سوغ بشمال التبت . لقد تحسنت حالة الطرق العامة على مستوى المحافظات والبنادر في التبت تحسنا ملحوظا تحت دعم الدولة القوي .

 المرشد السياحي نيما تسيرين في معبد جوخانغ يحكي تاريخ المعبد للزوار الأجانب . وكثير من المرشدين التبتيين يستطيعون أن يتحادثوا مع السياح الأجانب بلغات أجنبية مباشرة.

 نينغتشي المحاطة بالجبال العالية والغابات الكثيفة اعتبرت "مكان الشيطان" في التبت القديمة . وقد أصبحت عامرة بالخصب والنماء في الوقت الحاضر . هنا حقول القمح الواسعة لدى ملتقى نهر نيانغ ونهر يارلونغ زانغبو .

 تشاشي ، تاجر من كامبا يزاول التجارة في لاسا ، يكلم أهله بالهاتف النقال لمعايدتهم في عيد رأس السنة الجديدة .

 راهب يختار كتبا باللغة التبتية في مكتبة . تم للتبت تأليف وترجمة الكتب المدرسية وبرامج التدريس لـ16 مقررا للمرحلتين الابتدائية والثانوية و8 معاجم للمصطلحات العلمية باللغتين الصينية والتبتية ، وإنشاء نظام التدريس باللغتين التبتية والصينية .

 بائعة في شارع بارغور بلاسا

تدهور الإنتاج التبتي يوما بعد يوم في ظل مجتمع القنانة ، وانخفض عدد السكان انخفاضا حادا ، وانتشر الطاعون بين فترة وأخرى ، وبقي التطور الاقتصادي والثقافي في ركود لزمن طويل . جاء في إحصاء سلطات التبت المحلية أن عدد سكان المنطقة في عام 1950 بلغ مليون نسمة ، ومعدل عمرهم 35.5 سنة فقط . ووصلت نسبة الأمية لأهل التبت الذين سبق لهم أن خلقوا ثقافة قديمة باهرة الى 90 % واكثر . وكان في مدينة لاسا التي لم يجاوز عدد سكانها 37 ألف نسمة قبل 50 سنة كثير من المتسولين لا يقل عددهم عن 4 أو 5 آلاف . وقاست الأغلبية الساحقة من الناس الفقر المدقع .

بعد تحرير التبت السلمي اصبح الشعب التبتي أسياد الدولة والمجتمع على غرار كل الشعب الصيني . في عام 1959 تم قمع التمرد المسلح الذي شنته الطغمة الرجعية من الطبقة العليا التبتية وإلغاء نظام القنانة الإقطاعي وتنفيذ الإصلاح الديمقراطي ، الأمر الذي يرمز الى أن الاقنان والعبيد المليون المحرومين من كل الحقوق جيلا بعد جيل اصبحوا أسياد مصيرهم وحصلوا لأول مرة على كافة الحقوق السياسية للمواطنين والمنصوص عليها في الدستور والقوانين . وتغيرت ملكية وسائل الإنتاج تغيرا جذريا ، وحاز الاقنان والعبيد أراضيهم ومواشيهم الخاصة ، فنشطت مبادرتهم في الإنتاج ، بحيث ازدادت مردودات الحبوب من 36 ألف طن في ذلك العام الى 160 ألف طن في عام 1965 .

تسريع البناء الاقتصادي ورفع مستوى حياة الشعب باطراد وجعل جماهير الشعب تتمتع بحق الحياة وحق التطور الكافيين .. هذه هي الأهداف الرئيسية للحكومة المركزية في أعمال التبت .

في أوائل ثمانينات القرن الماضي ، طبقت التبت نظام مسؤولية المقاولة في الإنتاج الزراعي مثل أماكن الصين الأخرى ، ووزعت قرابة 300 ألف هكتار من الأراضي الزراعية ومئات الآلاف من المواشي على اكثر من مليون فلاح وراع ، مما حقق قفزة ثانية للقوى المنتجة الاجتماعية التبتية . وأصبحت العلوم والتكنولوجيا قوة محركة جديدة للتطور الزراعي . وتلقى 330 ألف فلاح التدريب الفني سنويا لاستيعاب طرائق استخدام السماد الكيماوي واختيار البذور الممتازة وتشغيل الآلات الزراعية . وتحسنت معيشة الشعب التبتي تحسنا كبيرا . وشيدت طرق عديدة يصل طولها الإجمالي الى 21 ألف كيلومتر . وفتحت عدة خطوط جوية بين لاسا من طرف وبكين وتشنغدو وشيآن ولانتشو من طرف آخر . هذا وقد أنشأت التبت التي ما كادت فيها صناعة حديثة في الماضي عددا من المؤسسات الصناعية الحديثة المختلفة في نفس وقت قيامها بتنمية الصناعة الحرفية اليدوية القومية .

بعد عام 1992 شهدت التبت قفزة ثالثة لتطور القوى المنتجة الاجتماعية . وبلغت قيمة الناتج المحلي الإجمالي لكل المنطقة 11.742 مليار يوان في عام 2000 ، وسجلت نموا مزدوج الرقم خلال 7 سنوات متواصلة .

في أواسط ثمانينات القرن العشرين أُنجز في التبت 43 مشروعا بدعم الاعتمادات المالية الحكومية وبمساعدة 9 مقاطعات ومدن . ونظرا الى تطور التبت الحاضر والمستقبلي قرر مجلس الدولة في عام 1994 استثمار 2.38 مليار يوان من العملة الصينية لمساعدة التبت في بناء 62 مشروعا تخص ميادين الري الزراعي والطاقة والمواصلات والاتصالات والصناعة والمرافق العامة والإنشاءات البلدية . وتولَّت الحكومة المركزية تغطية 75.7% من نفقات تلك المشاريع ، ودفعت المقاطعات والمدن الصينية الأخرى الجزء الباقي .

تنتشر المشاريع الـ62 في كل أرجاء التبت ، وتحفّز تطور قضايا التبت المختلفة ، كما تساهم في توثيق اتصال التبت بالمناطق الداخلية اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ، وتزيد من حيوية التنمية الاقتصادية التبتية .

في القرن الـ21 ستنشأ هنا سكة حديد طولها 1963 كم تخترق مقاطعة تشينغهاي ومنطقة التبت لتكون أعلى سكة حديد ارتفاعا عن سطح البحر في العالم . بعد ذلك ستنهي التبت تاريخها الخالي من سكة الحديد .

سبق لأهم مؤسسي جمهورية الصين الشعبية الرئيس ماو تسي تونغ أن وصف العلاقة بين التبت والوطن بتشبيه حي قائلا :" تضعف اليدان لولا الإبهام لهما . إن التبت لا يمكن فصلها عن الوطن الأم ."

في الخمسين سنة الماضية عرف الاقتصاد التبتي تطورا مستمرا ، وحظيت ثقافتها التقليدية الممتازة بالوراثة ، وارتفع مستواها في العلوم والتعليم باطراد ، ونالت السياسة القومية والدينية للحزب تطبيقا شاملا ، وشهد المجتمع استقرارا متزايدا . الآن يعمل الناس المتعايشون في هذه المنطقة الملقبة بـ" القطب الثالث للكرة الأرضية " على بناء حياة سعيدة هانئة طبقا لرغباتهم ، ويجتهدون في صيانة تضامن القوميات ووحدة البلاد ودفع تقدم التبت الشامل وازدهار الأمة الصينية .

 

 المناقشة في محاورات بوذا

 التبتيون يتمتعون بحرية الاعتقاد الديني تماما .

 مستقبل التبت

 تلاميذ ابتدائيون يتعلمون الكتابة التبتية

 في 11 سبتمبر عام 2000 هبطت طائرة بوينغ 737-700 في مطار كونغقا بلاسا – أعلى مطار دولي في العالم بارتفاع 3600 م فوق سطح البحر . الآن فتحت 6 خطوط جوية داخلية بين لاسا ومدن صينية أخرى وخط جوي دولي بين لاسا ونيبال .

 التبت اليوم فردوس للشعب التبتي بعد الـ50 سنة من البناء . وتعد لاسا بهوائها النقي وبيئتها الجميلة احسن حاضرة جواً بين حواضر المقاطعات والمناطق الذاتية الحكم في الصين.

 قبل التحرير السلمي كان النقل في التبت معتمدا على ثيران الياك . اليوم صارت لاسا عقدة المواصلات لمنطقة التبت . في الصورة طريق المدينة الذي استثمرت مقاطعة جيانغسو 40 مليون يوان في بنائه وهو احسن طرق المدينة نوعية وأكملها تجهيزا في التبت .

 جمهور التبت يحملون هدايا متنوعة استقبالا لجيش التحرير الشعبي الصيني في عام 1951 .

كثير من زعماء القبائل ورجال الدين والتجار الكبار يرحبون بجيش التحرير الشعبي الصيني وهم يحملون مناديل الترحيب واقفين بجانب الطريق .

 منطقة سكنية في لاسا

 مراسم رفع العلم أمام قصر بوتالا

 قبل 50 سنة ، ما كان في التبت إلا محطة طاقة كهرمائية صغيرة قدرتها 125 كيلوواط لخدمة حفنة الحكام من الطبقة العليا فقط . والى عام 2000، صار للمنطقة 401 محطة طاقة ما بين متوسطة وصغيرة ، تبلغ سعة مولداتها الكهربائية الإجمالية 356.2 ألف كيلوواط ، وتولد 661 مليون كيلوواط/ساعة من الكهرباء . هنا اكبر محطة طاقة في التبت – محطة بحيرة يارتشويوم تسو .

 الممثلون للحكومة الشعبية المركزية لجمهورية الصين الشعبية ( الصورة العليا ) والممثلون لسلطات التبت المحلية ( الصورة السفلى ) يوقعون على (( الاتفاقية الخاصة بإجراءات التحرير السلمي للتبت )) في يوم 23 مايو 1951 .

 مشهد في شوارع لاسا قبل الإصلاح الديمقراطي

 كان القن يستخدم للركوب كحصان في ظل نظام القنانة .

 العلم الأحمر ذو النجوم الخمسة يرفرف أمام قصر بوتالا في الأيام الأولى من التحرير السلمي .

 غل خشبي استعمله ملاك الأقنان لتعذيبهم

 نساء تبتيات في شارع بلاسا