|
مشروع
المضائق الثلاثة أكبر مشروع مائي في العالم .. أكبر من مشروع سد هوفر
الكبير في الولايات المتحدة والسد العالي بأسوان في مصر. إنه أضخم
عمل ينفذه الإنسان لترويض الطبيعة في العالم. وبتأثير هذا المشروع
تغير المصير لكثير من الناس والأمور والأشياء.
اليانغتسي
هو أكبر نهر في الصين وثالث أكبر نهر في العالم. ينبع على
هضبة تشينغهاي – التبت، ويصب مياهه في بحر الصين الشرقي على مقربة
من شانغهاي، وطوله الإجمالي 6300 كلم. في حين يجتاز جبل ووشان عند
مجراه الأوسط، يشكل ثلاثة مضائق فيما بين تشونغ تشينغ غربا وييتشانغ
شرقا، هي : مضيق تشيوي تانغ ومضيق وو ومضيق شي لينغ، وطول الثلاثة
حوالي 193 كلم.
جلب اليانغتسي في التاريخ رزايا فيضانية لسكان مجاريه. ومن أجل تجنبها
نهائيا، قررت الحكومة الصينية بناء سد عال بشرق المضائق الثلاثة ليكون
في المكان خزان مياه عريض. ويسمى هذا العمل " مشروع المضائق الثلاثة
". ستتم المرحلة الأولى للمشروع .. أي خزن المياه .. في يونيو عام
2003? ووقتذاك ستغرق في المياه كل أشياء تتواجد تحت ارتفاع 135 مترا
فوق سطح البحر على جانبي النهر وفي إطار 400 كلم إلى غرب السد العالي.
نقدم لكم فيما يلي مجموعة من الصور فهي تسجل تاريخا نهائيا للمضائق
الثلاثة القديمة ..
حماية الآثار التاريخية في منطقة خزان المضائق الثلاثة
حضارة باهرة قديمة
صنع اليانغتسي في منطقة المضائق الثلاثة مناظر طبيعية جذابة، وفي الوقت
نفسه أنشأ فيها حضارة عريقة. لقد ترك لنا المزيد من الآثار الثقافية
النفيسة ..
يبقى في منطقة الخزان 60 موقعا أثريا يعود إلى العصر الحجري القديم،
?14 منها ما زالت تحافظ على حالتها البدائية. دلت هذه المواقع الحضارية
من جديد على أن اليانغتسي هو آخر نهر أم قد غذى الأمة الصينية بعد
النهر الأصفر.
جعلت عمليات الحفر لأطلال حياة أبناء (( با )) الأقدمين، هذه القبيلة
القديمة التي اختفت تحت عجلات التاريخ، تدخل مرة أخرى في آفاق أبصارنا
. وعرفنا من الاكتشافات الأثرية التي وجدت باستمرار في المنطقة والتي
تعود إلى عهد أسرة تشين ( 221- 206 ? ? ) وأسرة هان ( 206 ? ?- 220
? )? أن حضارتي النهر الأصفر ونهر اليانغتسي تندمج إحداهما في الأخرى
وتتوصلان شيئا فشيئا إلى وحدة نهائية.
تل (( بايخه ليانغ )) ? هو أول محطة هيدرولية قديمة في العالم، وتكون
منه ومن أمثالها الأخرى في المنطقة رواق طويل منقوش بالسجلات الهيدرولية
القديمة، نادر الوجود في العالم. ووسط الجبال الخضراء على امتداد النهر،
يتناثر أكثر من 300 مجموعة من البنايات الكلاسيكية التي تكاثر فيها
أبناء الصين جيلا بعد جيل. ومن أشهرها معبد الجنرال تشانغ في وقرية
شيباو وبلدة داتشانغ.
......
هناك 1087 موقعا تاريخيا من الآثار والأطلال والبنايات القديمة، متعرضا
للغرق ومقترحا للمحافظة عليه, منها 364 موقعا يقع فوق الأرض ?723 يقع
تحت الأرض، وليست هذه الأعداد إلا غيضا من فيض المخلفات التاريخية
في المنطقة.
سباق مع الزمن
مع تنفيذ مشروع المضائق الثلاثـة، بدأ العمل على إنقاذ وحماية المخلفات
الثقافية في المنطقة. سيرتفع منسوب ماء النهر إلى 135 مترا عام 2003?
وإلى 175 مترا عام 2009? وتتعلق الارتفاعات المستمرة كسيف على رؤوس
الأثريين ورجال حماية المخلفات الثقافية من حين إلى آخر.
رقيت تشونغ تشينغ عام 1997 من مدينة إقليمية إلى بلدية مركزية. وأول
اجتماع وطني عقد فيها هو اجتماع خاص للتشاور في كيفية حماية الآثار
والمخلفات الثقافية في منطقة المضائق الثلاثة. استثمرت إدارة البلدية
500 مليون يوان لبناء " متحف المضائق الثلاثة " لحفظ وعرض 300 ألف
قطعة من المخلفات الثقافية والآثار التاريخية المنقذة من الغرق بالماء
والملامح الجغرافية والطبيعية قبل إكمال مشروع المضائق الثلاثة.
يحتشد في المنطقة حاليا، 60 فرقة للآثريين الأغنياء بالتجارب والقادمين
من جامعة بكين وجامعة جيلين ومعهد سيتشوان لبحوث الآثار، قياما بالاكتشاف
الأثري في أكثر من 100 موقع. ومثل هذه الحالة لا مثيل لها من قبل في
تاريخ الصين ونادرة الوجود في العالم.
من أجل إنهاء المهمة بدقة وفي أسرع وقت ممكن، اتخذ الأثريون وسائل
تكنولوجية حديثة في العمل، منها رادار سبر الأرض ومسبار الموجات الأرضية
والمغناطيس العالية الدقة ومسبار الخصائص الحجرية للمجال الكهربائي
الأرضي وزئبق الاستكشاف الكيماوي للكرة الأرضية وما عداها من طرائق
السبر الفيزيائي والكيماوي.
من أجل أن لا تأسف الأجيال المقبلة
تتمتع المخلفات الثقافية في المنطقة بأهمية تاريخية عالية. وكيفية
إبقاء ملامحها الأصلية بلا ترك الأسف إلى الأجيال المقبلة، هي موضوع
الاهتمام في الصين حتي في العالم أجمع.
لذلك خصصت الحكومة الصينية لمشروع حمايتها عددا كبيرا من الموارد البشرية
ومبلغا طائلا من الأموال. منذ الأيام الأولى لبدء عمل المشروع عام
1992? سجلت الحكومة الصينية حماية المخلفات الثقافية جيدا وكاملا في
جدولها الزمني. فكلفت في المرحلة الأولى مليار يوان لغرض المحافظة
عليها. وقد استثمرت 100 مليون يوان كمصروفات في الحماية فقط في عام
2000? وأكملت الاكتشافات الأثرية على مساحة 120 ألف متر مربع. ويساوي
المبلغ المذكور كل ما نقلته الحكومة الصينية من الأموال لحماية المخلفات
الثقافية في البلاد كلها كل سنة.
ومن أهم المواقع الأثرية المقترحة حمايتها، تل (( بايخه ليانغ ))?
قرية شيباو ومعبد الجنرال (( تشانغ في ))? فمساحة حمايتها المطلوبة
أوسع، وعمليات الحماية أصعب.
تل (( بايخه ليانغ )) ( تل الكركي الأبيض )? أقدم مكان غني بالسجلات
الهيدرولية النهرية المنقوشة في العالم، فيقولون عنها إنها المحطة
الهيدرولية الأولى في العالم. قدح الأثريون منذ عام 1993? زناد فكرهم
بحثا عن طريقة لحمايتها. وأخيرا اتخذوا وعاء شفافا خاليا من ضغط لتغطيتها
من عل. ويمكن للزائر أن يشاهدها عن طريق الممر تحت الماء. وهكذا قد
وجد حل لمشكلتي الحماية والزيارة في آن واحد.
يقع معبد الجنرال تشانغ في في محافظة يونيانغ، بناه السكان المحليون
لذكرى الجنرال الصيني القديم المشهور تشانغ في. هو من روائع البنايات
القديمة إذ أنه يضم الجمال الصناعي الدقيق والجمال الطبيعي الخشن معا.
لحمايته، قرر الأثريون أخيرا إعادة بنائه في مكان آخر ذي مناظر طبيعية
متماثلة. وتنقل كل النقوش على أنصاب المعبد ألى المكان الجديد بعد
قطعها قطعة قطعة بغاية من الدقة.
أما قرية شيباو فهي بناية عالية من الخشب ذات طوابق عديدة تقع على
جبل في محافظة تشونغ شيان. قيل إن منسوب الماء سيرتفع إلى مدخلها بعد
حجز السد العالي مياه النهر. وحسب التخطيط يبنى سد وقاية أمام مدخل
البناية. وعندما يحين الوقت، أصبحت شيباو عمارة منعزلة تحيط بها المياه
من أربع جهات، مما يزيد من عظمتها.
المضائق الثلاثة .. لا تنقطع عنها اللمسات الحضارية
رابطة حضارية
عندما شيدت الأهرامات على ضفاف النيل لتوها، وعندما أبدع السومريون
الكتابة المسمارية في أرض ما بين النهرين، قامت حضارة صينية في آسيا.
وحينما نعود بنظرات عجب إلى أكبر 4 حضارات عالمية قديمة، وجدنا باعتزاز
أن الحضارة الصينية هي الوحيدة التي استمرت حتى اليوم بأنوارها لمدة
5000 عام. لقد حصل النهر الأصفر كمهد من مهود الحضارة الصينية على
الثناء والمديح. ومع عمليات الاكتشاف الأثري في منطقة المضائق الثلاثة،
أدرك الجميع أن نهر اليانغتسي هو الآخر الذي غذى الأمة الصينية . إن
النهرين هما ثديان للأم ظلا يرضعان أمتنا خلال آلاف السنين الماضية
حتى تظل قائمة على مكانها اليوم بثبات.
منطقة المضائق الثلاثة ? جزء هام من أجزاء اليانغتسي. يمكن القول إنها
رابطة حضارية, فهي تربط بين سهل تشنغدو الذي انبعثت عليه حضارة ((
شو )) غربا وسهل (( جيانغ- هان )) الذي نمت فيه حضارة (( تشو )) شرقا.
ونهضت في المنطقة ذاتها حضارة (( با )), وتشكل كلها شبكة حضارية تدعى
(( حضارة اليانغتسي )). نهر اليانغتسي هو ممر فيه تلتقي وتندمج الحضارات
لتكون جزءا هاما للحضارة الصينية العظيمة.
الأصـــــل
محاذاة للدروب الخشبية القديمة المعلقة في جوانب اليانغتسي، انطلقنا
من المجرى الأعلى. مررنا بتسيقوي وبادونغ وووشان وفنغجيه ويونيانغ
وتشونغشيان .. كلها أشبه بسلسلة من اللآلئ المطعمة على جانبي النهر.
ويعيش فيها عشرات الملايين من أبناء الصين عالة على النهر.. يصطادون
في النهر، يقودون القوارب على سطحه، يزرعون ويحصدون على جوانبه. جاءت
مياه النهر إليهم بالعالم الخارجي والثروة، وأيضا مهدت لهم الطريق
المؤدي إلى الخارج والمستقبل.
صقل اليانغتسي مزاج أبنائه. في المضائق الثلاثة، كانت الرياح عاتية،
والتيارات عالية، والسحب كثيفة صباحا، والأمطار غزيرة مساء، والضباب
غامض. والمراكبية على النهر يتقدمون إلى الأمام في هذه الظروف القاسية
بكل شجاعة، فيعرفون أن التقدم هو الحياة والتراجع هو الموت.
أبناء المنطقة مشتهرون بالشجاعة. الشجاع هو الزعيم، الشجاع هو مدير
الدفة، اختاروا البطل الذي لا يعرف التراجع أمام الطغيان والتيار العارم،
معبودا لهم مثل الشاعر الوطني تشيوي يوان والجنرال الشجاع تشانغ في.
أبناء المنطقة صرحاء ومتفائلون. اليانغتسي أمهم، غير أنه يثور دوما
عليهم لجلب كوارث فيضانية لا نهاية لها لهم. ولكن الكوارث لم تستطع
تحطيم أمنيتهم للحياة وإيقاف سعيهم وراء الجمال. كلما ذهب الفيضان،
شرعوا يبنون ديارهم من جديد لبدء الحياة الجديدة.
إن المضائق الثلاثة هي أصل الذين ينمون ويترعرعون ويعيشون فيها.
المضائق الثلاثة .. موطن الأشعار
ترتبط منطقة المضائق الثلاثة بالثقافة ارتباطا وثيقا، لا مثيل له في
الصين وفي العالم. كان رجال الثقافة لكل جيل من الأجيال يشتاقون إليها.
كان الشاعر دو فو ( 712- 770 ? ) قد قضى في المنطقة سنوات عديدة في
هدوء، ونظم في فنغجيه فقط 437 قصيدة.
وكان الشاعر الرومانسي لي باي قد امتدح طبيعة المضائق الثلاثة بأشعاره
الحافلة بالحماسة. ويكاد كل من الشعراء القدماء قد أقام صلة ثقافية
وثيقة بينه وبين المضائق الثلاثة. منهم : ليو يوي شي، وباي جيوي يي،
ووانغ وي، وسو شي، ولو يو، وتشو شي، وأويانغ شيو ..
جاء في إحصائية أن أشعار الثناء على المضائق الثلاثة، عددها كثير يساوي
بالمعدل حوالي أكثر من 200 قصيدة على كل كيلومتر من سطوح نهر اليانغتسي
في المنطقة. وبتأثير واهتمام رجال الثقافة، أصبحت المضائق الثلاثة
أرضا تتحد فيها المناظر الطبيعية والثقافة الإنسانية اتحادا منسجما.
الاختفاء .. من أجل غد
مدينة بايدي على جزيرة منعزلة
يؤثر ارتفاع منسوب الماء المستمر على كثير من المراكز المنظرية في
المضائق الثلاثة. بعضها، مثل معبد الشاعر تشيوي يوان، سيبنى من جديد
في مكان آخر، وبعضها، مثل قمة (( المرأة الخالدة ))? سيظل قائما على
مكانه كما كان عليه، وبعضها، مثل (( الحفرة السماوية )) سيصبح أكثر
سهولة للزيارة. وقد تظهر مراكز منظرية جديدة فيها.
مدينة بايدي عظيمة المظهر، تتكئ على الجبل، وتطل على النهر لحراسة
مضيق تشيوي تانغ. عندما يصل منسوب الماء إلى ارتفاع 175 مترا، تصبح
المدينة جزيرة منعزلة في النهر. رغم أن الماء لا يتمكن من غرقها كلها،
ولا حاجة إلى نقلها إلى مكان آخر، إلا أنها ما زالت تتعرض لتهديد جهد
المياه الضخم حين المد والجزر. ولحسن الحظ أن الخبراء وضعوا منهاجا
شاملا لحمايتها. قالوا : نحن نتفادى قدر الإمكان تلاشى هذه النقطة
المنظرية التاريخية من أيدي جيلنا هذا !
بلدات قديمة تغيب عن العين
على جوانب اليانغتسي يتناثر ما لا يحصى من البلدات القديمة، ومع ارتفاع
منسوب الماء، سيغيب كثير منها عن العين. أما بلدة داتشانغ في محافظة
ووشان، فهي حسنة الحظ إذ أنها ستنقل إلى مكان آخر بكاملها.
بلدة يونآن في محافظة يونيانغ، قديمة التاريخ، مزدهرة بتجارة ملح الطعام.
كان السكان يبيعون ملحهم إلى أنحاء البلاد عبر النقل النهري. أما اليوم
فسيغرقها الماء قريبا. قام على مرتفع البلدة برج جرس ذو أهمية ثقافية.
وحسب منهاج الحماية، سوف ينقل مع بنايات أثرية أخرى إلى قرية جديدة
تسمى " قرية الهجرة ".
ومع دوي الانفجارات، اختفت بين دخان الغبار، مدينة فنغجيه القديمة
التي يعود تاريخها إلى 700 سنة، في يوم 4 نوفمبر 2002. ومن المقرر
بناء مدينة جديدة بدلا منها على بعد 10 كيلومترات إلى غربها.
العائلات الأخيرة على النهر
يرتفع منسوب الماء، والأهالي الذين يعيشون في المنطقة عالة على النهر،
هم يعانون من تأثيرها.
نصب في المضائق الثلاثة عدد كبير من المنارات لضمان سلامة الملاحة
النهرية. غير أن أغلبيتها ستسحب من أمكنتها بعد حجز مجاري النهر. ومنها
منارة في بايقه بيه في محافظة ووشان، من توديعها يشعر الأهالي المحليون
بالحزن والأسى.
نذكر الصياد تشانغ يي مينغ، هو يسكن على جزيرة واقعة في قلب النهر،
ويعيش عالة على صيد السمك. بدأ يصطاد في النهر منذ طفولته. لقد هاجر
من الجزيرة إلى بلد في مقاطعة هوبي قبل سنوات، ولكنه لا يتعود على
أسلوب الحياة هناك، فعاد إلى الجزيرة لمواصلة حياته كصياد. وبعد حجز
الماء في المضائق الثلاثة، تختفي الجزيرة من الوجود، وسوف يودع اضطرارا
حياة الصيد نهائيا.
هذا وهناك عدد غير قليل من المحليين سيغيرون أساليب حياتهم التقليدية.
وبالرغم من كل ذلك ? تتحسن حياتهم في غد بلا أي شك.
|