كونمينغ.. مدينة تأخذ بالالباب


     من يأت مدينة كونمينغ لا بد ان يجد ان فيها احسن طقس : ليس حارا ولا باردا ? وفي حين مبادرته لا ينسى ان ينصرف منها بالازهارالندية من نتاجها . ولقبها هو " مدينة الربيع " اذ انها غارقة في الربيع دوما وابدا .

يعلو شعارها حصان ذهبي ? ديك يشبي .. ولهذا اسباب متصلة بخصائصها الجيولوجية وحكايات قديمة عنها . تقترب منها بحيرة معروفة بديان تشه يقوم في ضفتها الشرقية جبل الحصان الذهبي وعلى ضفتها الغربية جبل الديك اليشبي وهما يتقابلان ? يشكلان ممرا جبليا واجبا سلوكه في الدخول اليها او الخروج منها . وحسب الحكايات خرج ? في اعماق التاريخ ? حصان ذهبي من الشمس وديك يشبي من القمر ? متوثبين . وفي كل مكان اتياه صارت له اشجار خضراء واعشاب نضرة وازهار متفتحة. وفي نهاية المطاف استوطنا ضفاف بحيرة ديان تشه ? يحفظان المواطنين جنوب جبال يولينغ واصبحا رمزا سعيدا ومباركا لكونمينغ . كونمينغ مدينة جميلة مستلقية على هضبة يوننان – قويتشو حيث تكون السماء صافية ويكون وقت سطوع الشمس طويلا ? يصل المعدل السنوي لدرجات الحرارة الى 15 درجة مئوية . هذا وفي حين طلوع الشمس او غروبها تبدو السحب الوردية المحلقة في الفضاء كما لو انها شريط حرير ملون اوشفق تهاويل ولهذا جرت العادة على تسمية كونمينغ بمدينة الضباب والسحاب في الغسق . فلقد كال ماركوبولو الرحال الايطالي لها ايات المديح ? قائلا بانها" مدينة كبيرة جملية " كما كتب شيوي شيا كه الرحال الشهير الصيني في عهد اسرة مينغ ( 1368- 1644) سطورا رائعة في رحلته ليصف بها جمال مناظرها الطبيعية والصناعية .

كومينغ بين ماضيها وحاضرها
في العام 279? . ? قاد تشوانغ تشياو الجنرال في مملكة تشو في عهدالممالك المتحاربة، رجاله في الهجوم والاستيلاء على منطقة بحيرة ديان تشه فجعلها مملكة نصب نفسه اول ملك لها . مملكة ديان قد خلقت حضارة البرونز الباهرة في قديم الزمان . واسمها " ديان " سميت به اختصارا ? مقاطعة يوننان اليوم . وكان اهالي ديان منتمين الى مجموعة كونمينغ القومية التي تعيش في هضاب ديان الغربية فهذا الاسم " كونمينغ " التي حملته تلك القومية البدوية القديمة صار اسما معروفة به عاصمة المقاطعة .. احدى المدن العصرية فيها .
كونمينغ غنية بالهبات الطبيعية المنظرية والاثار التاريخية والمباني القديمة بما فيها باغودتا دونغسي وشيسي العائدتان الى عهد اسرة تانغ ( 618-907 ) ? العمود الحجري ذو العقيدة البوذية من المخلفات الفنية لمملكة دالي القديمة ? الباغودا البوذية القائمة في معبد جينقانغ- اقدم مثيلاتها في الصين ?و بحيرة التنين الاسود المشتهرة بالمباني التذكارية العائدة الى عهد اسرة هان ( 260 ? . ? – 220 ? . ? ) والبرقوق العائد الى عهد اسرة تانغ (618-907 ) والسرو العائد الى عهد اسرة سونغ(960 - 1279 ) وشجيرات الشاي العائدة الى عهد اسرة مينغ ( 1368-1644 ) الى جانب معبد تشيونغ تشو سي بخمسمئة ارهت والقاعة ذات الحوائط والقراميد النحاسية وبحيرة تسويهو التي تحلق في الجو فوقها اسراب من النورس ومعبد يوان تونغ احد الديار المقدسة البوذية والمعابد القديمة الاخرى والادغال المتكاثفة المتنشرة على الجبل الغربي .. كل هذه المعالم والمناظر مغنطيس للزوار والسواح من القاصي والداني .
كونمينغ يعرفها العالم اكثر فاكثر لتميزها ? خاصة ? بالهبات الطبيعية السياحية التي تثير اعجاب كل انسان فلا يخفى على احد ان هناك مشهدا طبيعيا مدهشا على بعد 85 كم عنها.. الا وهو غابة حجرية تتربع على مئات الكيلومترات المربعة حيث يمكنك ان تجد صفا وراء صف من القمم الحجرية ينتصب انتصاب الاهرام واذاما سرحت النظر اليها ? من عال ?يمكنك ان تراها تبدو كأنها غابة وراء غابة من آلاف القمم والأودية تأتي تحفة للنظر واذاما تغلغلت في اعماقها ? سيرا على القدم يمكنك ان ترى هناك دروبا تتلوى على سفوح الجبال وتفضي الى الاماكن التي توحي بالهدوء والذوق السليم، حينا ومن حين اخرترى حجارة عجيبة الاشكال تتناثر في القاصي والداني .

المدينة النائية المحافظة على الحضارة التقليدية وذات الاعتبار الدولي
كونمينغ جذابة لعدد كبير من السياح والزوار الذين يتقاطرون عليها من كل حدب وصوب . في الماضي يمكنهم ان قاموا بالجولة في داخل المدينة وفي الغابات الحجرية وكذلك بزيارة للقرى القومية القاطن فيها ابناء ال25 مجموعة القومية في مقاطعة يوننان ? للتعرف على ما لهم من مشاهد حضرية في الكساء وتمثيلات غنائية وراقصة. واليوم خرج هناك مرتاد جديد وهو حديقة الطبيعيات العالمية الواسعهة الشهرة .. الحديقة التي اقيم فيها معرض البستنة العالمي ? في عام 1999 . وقد زرع فيها عدد لا يحصى من النباتات الحدائقية فيجوز القول انها زبدة البستنة العالمية . اليوم صارت كونمينغ مقصدا ساخنا للسياحة واهم موقع في الشبكة السياحية للبلاد . . اذ انها تعد اكثر مكان مطارا في الصين ? ومركزا للخطوط الجوية في يوننان يربط بين المدن الكبيرة والمتوسطة في البلاد والمدن الكبرى في مختلف انحاء العالم ? بخلاف المدن المحلية في يوننان امثالها : دا لي ? بان شان ? ده هونغ ? لي جيانغ ? لين تشانغ ? سي ماو ? وسيشوانغبانا.. ومما هو جدير بالذكر ان خدمة النقل للقيام بجولة في كونمينغ وبرحلة الى خارجها جيدة بكل معنى الكلمة. وعلى سبيل المثال انك سوف تتمكن من التمتع بمنظر من غابة المطر الاستوائية ? في غد حتى وان تتنزه اليوم في الجبال المغطاة بالثلوج .
في كونمينغ عدد كبير من الفنادق والقرى الخاصة بقضاء الاجازة ومن بينها كمية ليست بالقليلة فوق المستوى النجمي . ولكل منها التأثيث الحسن الذوق والتجهيزات الكاملة لتقديم خير الخدمات في مختلف المجالات بما فيها ? مثلا ? التمتع بالنشاطات الترفيهية والقيام بالرياضة البدنية وعقد الاجتماعات واقامة الحفلات والاستحمام بالماء المنبجس من النبع الحاروتقوية الجسم وتجميل الوجه .. الخ . تجارة المواد الغذائية في كونمينغ متطورة ففي مقدورها ان تعد المشهيات المتعددة الانواع والاذواق ? بمهارات الطهي المستمدة من جميع ارجاء البلاد . وفوق ذلك تلقى الاطعمة الدخيلة على غرار كنتاكي ? مكدونالد اقبالا عظيما هناك . ومع ذلك يلقي الطعام المحلي النهكة حظوة عند المحليين والغرباء على حد سواء ? بتميزه بمزايا فريدة . خذ مثلا لذلك شعيرية " قوه تشياو ميشيان" – نوع من شعيريات الرز : سبق لها ان قدمت للمأدبة الرسمية . ولما تلذذ بها الضيوف الاجانب ابدوا اعجابهم العظيم بها . يوننان التي تتبعها كونمينغ آهلة بال25قومية الاقلية . ففي كونمينغ يمكن للناس اذاما نزلوا فيها ان يتذوقوا شتى الانواع من ما يخص جميعها من اطعمة لذيذة ومشاهد حضرية لاعداد الطعام والشراب . ومن مثال ذلك انهم عندما يتناول الطعام في مطعم صاحبه من ابناء قومية يـي يمكنهم ان يستمتعوا باغنية وراء اغنية تقترح شرب نخب بالاضافة الى الاحساس بحياة اهالي يـي وما يتصفون به من امانة وصراحة . يجري على الالسنة في هذه البلدة كلام مفاده : " ليوننان 18 عجيبة بما فيها الازهارالناضرة وهي مأخوذة مادة للطبخ . " .. والواقع ان الجبال في يوننان تغمرها الزهور المناسبة لاعداد الاطباق على شرف الضيوف ? وخاصة تكثر انواعها في الربيع . حتى ولو في اواخر الخريف تكثر هناك النباتات الطحلبية المتنوعة تأمينا لحظ الناس الجيد في الاكل . وبفضل تميزيوننان بمواردها الفريدة خرج الى حيز الوجود في كونمينغ كثير من المطاعم الخاصة لاعداد الاطباق من الاعشاب البرية الصالحة للاكل ? يخلق بذلك ثقافة فذة للطبخ .

اهالي كونمينغ يعيشون حياة رغيدة
كونمينغ ذات الربيع الدائم . فايامها الباردة ليست كثيرة وان كانت في الشتاء . وبذلك يكون الثوب الواحد صالحا للكساء في جميع فصولها . وفي فترة طالت 17 سنة مضت ? ظلت مهجرا لتتشتى فيه عشرات الالوف من طيور النورس المهاجرة من سيبيريا، في الفترة بين اواخر الخريف واوائل الشتاء لكل سنة ? وهذا قد خلق مشهدا ساحرا اخر للمدينة في شتائها .
سكان كونمينغ يعيشون بلا هم ولا غم ففي الاعياد وايام العطلة يحبون ان يذهبوا،العائلات العائلات، الى الضواحي او اماكن ابعد ليتنزهوا او يخيموا او يتسلقوا الجبال او ينسابوا مع التيار او يقفزوا بالحبل المطاط.. وجملة القول انهم لا يضيعوا اية فرصة للقيام بنشاطات تؤدي الى الاثارة .. مهما كان النوع . ان كونمينغ لا تني في الليل مفعمة بالنشاط والحيوية فعندما يسدل الليل شتاره يصبح كل مقصف شاي وحانة شراب وبسطة لحم مشوي على النار زاخرا بالزبائن.. ? تلك البوفيات والحانات واصحابها بعضهم محليون وبعضهم الاخر غرباء او اجانب ? تغمر شارعا وراء شارع في المدينة، وفي كل منها كل ما تشتهيه النفس . وثمة مكان اخر جدير بالذكر في المدينة ويطلق عليه اسم " كونمينغ القديمة " وهو يقع امام ساحة باغودا دونغسي ويعطي صورة مصغرة لكونمينغ القديمة اذ ان البنايات المبنية حديثا فيه صمم كلها على طراز اهم مباني مدينة كونمينغ القديمة . . هذا والتماثيل المنحوتة هناك ادت ايضا الى اعادتنا الى ماضي المدينة ? فمن بينها قافلة خيل تنقل السلع وبياع بيض مشدود بالحبل وسمكري ينهمك في العمل ..وهلم جرا. " كونمينغ القديمة " ما زالت تحافظ على خشبة مسرح قديم يتجمع عليها، في كثير من الاحيان عدد ليس بالقليل من المتقدمين في العمر،يغنون في اوبرا فانوس العيد المحلي في يوننان ?ويترنمون باغاني كونمينغ الشعبية . وتمتعا بكل عرض منهم تطرب له العين والاذن كان الجمهور قد جاءوا الى هناك بجماء الغفير . وهذا المشهد يكفي، جنبا الى جنب مع اماكن الحصان الذهبي والديك اليشبي ? تشونغ أي فانغ، لتجسيد ما كان لكونمينغ في ماضيها من ازدهار ورخاء ..وغناء مخزونات ثقافية . وثمة مكان ليس بعيدا عن مدينة كونمينغ العريقة ويطلق عليها اسم " كون دو " وهو ملهى ليلي في كونمينغ يتبهرج بالتيار السائد المعاصر وتزخر ابعاده بحانات ? مقاصف شاي وبارات مياه يتلاصق بعضها مع بعض . واذاما صنفت تلك الدكاكين حسب ما لها من مزايا فان بعضها من طراز هونغ كونغ او تايوان وبعضها الاخر من الطراز المحلي . وعلاوة على ذلك توجد في هذا المكان دار اوبرا معروفة بالنجم الساطع وقاعة للقفز بالحبل المطاط ? وكلتاهما تفتح الباب، طول الليل .. مما يجعل الشباب يتجاهلون الليل والنهار.

المغادرون لا بد لهم من حمل الازهار النضرة من نتاج كونمينغ
كونمينغ اكبر سوق ومشتل زهور ندية في الصين . والزهور الندية من نتاجها تصدر الى بلدان اوربا وامريكا. وضروبها لا يحصى عددها . وسعرها رخيص في جميع الفصول . ومتاجرها او بسطاتها منتشرة في شتى الشوارع والازقة فيها. ففي هذه المدينة اذاما ذهبت الى المطاعم ومقاصف الشاي والمكاتب يمكنك ان ترى انها مزينة بزهور في البرعم واذاما ذهبت الى الشوارع وسائر اماكن عامة فسوف تجدها مزخرفة بالزهور ? باستخدام كل وسيلة ممكنة . وفي مناسبة الفرح يذهب الناس الى تزيين العربات بها لاجل العروسين الى جانب نثر التويجات علهما . وكل هذا اصبح عادة متبعة في المدينة .
وان توصف كونمينغ بكلام مفاده انها " بحر من الزهور " فهذا لا يبالغ في أمرها. وعندما تسير على القدمين في الشارع تمس فتاة جميلة بكتفها ? مسا خفيفا وهي تمر بجانبك كأن الريح تلامسك بخفة ? تشتد ضربات قلبك ? هل ذلك يتأثر بحركاتها الرشيقة ام بالرائحة الذكية الفواحة من الزهور والتي تحملها حركاتها ?!

 

كونمينغ مغمورة بالمباني العصرية
بناية تقليدية رمزها الحصان الذهبي والديك اليشبي
كونمينغ تشتهر بالحسناوات

هذا المشهد ليس نادر الوجود
لقطة من معرض الفنون المعاصرة

 

 

كونمينغ مهجر لعدد كبير من النورس الاحمر المنقار في الشتاء
الزهور النضرة تتفتح في طرف شارع

حديقة الطبيعيات العالمية شاع صيتها في السنوات الاخيرة
فتيات كونمينغيات تحمل ايديهن باقات زهور

 

 

حمالة زهور
كونمينغ مغنطيس لعدد يزداد مع مرور الزمن من الاجانب
متاجر الزهور الندية تنتشر في مختلف اطراف شوارع المدينة