ثار فضولي، حين علمت
قبل سنوات، أن في أعماق الجبال جنوب شرق مقاطعة قويتشو، فرعا لقومية
مياو، يرتدون التنانير القصيرة منذ ما قبل 500 عام. لذلك، قامت مجموعة
منا، في يناير الماضي، بزيارة القرى الجميلة : لانغدونغ، كونغشن، كونغليه،
التابعة لمحافظة رونغجيانغ، لاستكشاف لغز هذه التنانير القصيرة.
انطلقنا في يوم جمعة بالساعة 8 مساء، من مدينة قويانغ حاضرة قويتشو.
وبعد مسيرة ليلة بالسيارة، كنا في أعماق الجبال، بقرية قديمة تدعى
كونغشن، منعزلة جغرافيا. ولشدة دهشتنا، شعرنا بروابط القرية اللصيقة
مع المجتمع الحديث مع بقايا(( مقتطفات من أقوال ماو تسي تونغ )) وشعارات
تنظيم الأسرة مرسومة على جدران المنازل.
رحب بنا القرويون ترحيبا حارا. زرنا منزلا خشبيا يقوم على أعمدة، بني
قبل 100 عام، لفه السواد بسبب الدخان. ومن خلال الحديث مع الأسرة،
عرفنا شيئا عن التاريخ الطويل لقومية مياو. لم يكن حديثنا سلسا في
بداية الأمر، لأن أغلب المسنين والكهول من أبناء مياو لا يتكلمون الصينية
الفصحى. لكن الأمور تحسنت فيما بعد لأن ابنة المضيف التي تدرس بالمرحلة
الثانوية في مركز المحافظة قد عادت وقامت بالترجمة. هذه العائلة في
غاية الكرم .. احتفت بنا بالسمك المقدد ونبيذ الأرز ? أكثر الأطباق
والمشروبات احتراما للضيوف. السمك المقدد رائحته غريبة. كان مالحا
ومتبلا، يترك وراءه مذاقا عالقا. حكى لنا مضيفنا حكاية طريفة عن السمك
المقدد في الزمان القديم، اكتشفت فتاة مياوية مجموعة من السمك في الحقل
وهي تزاول الزراعة. حاولت أن تصطاد السمك، لكنها لم تقدر أن تقبض على
واحدة منها. وكان أن تلطخت بالطين. عند ذاك، مر شاب يحمل سلة خيزرانية.
وعلى الفور، أنزل السلة، واصطاد سمكا كثيرا للفتاة. ودعها وواصل مسيرته.
وعادت الفتاة إلى المنزل بالسمك. ولكنها لم يتوقف تفكيرها في الرجل.
لذلك ملحت السمك في جرة، على أمل أن تكرم الرجل بالسمك ذات يوم. وفي
أحد الأيام من السنة القابلة، عاد الشاب مرة أخرى، فالتقى مع الفتاة
التي دعته إلى منزلها. أعجبه السمك المقدد، فأثنى عليها ومهاراتها
الفائقة. وفور ذلك، دب رسول الحب بينهما فتزوجا. وهكذا أصبح السمك
المقدد طبقا تقليديا لأهالي مياو.
بغض النظر عن صحة الحكاية، أحسست من السمك بمذاق طيب غريب. علاوة على
الطعام، يهتم المياويون أيضا بالأزياء. النساء ? على وجه الخصوص ?
يرتدين تنورات فوق الركبة على مدار العام. يمكن تتبع آثار هذا الملبس
المنفرد إلى حوالي 600 عام .. وحمل لقبا لهذا الفرع ? المياويون أصحاب
التنانير القصيرة.
المياويون أصحاب التنانير القصيرة تعدادهم يفوق 50.000 في جنوب شرق
قويتشو ? الأغلبية العظمى يعيشون في قرى لانغدونغ، كونغشن، كونغليه،
لمحافظة رونغجيانغ، بينما يعيش البعض في منطقة داتانغ لمحافظة ليشان.
أزياؤهم تحمل ملامح محلية وذات ألوان غنية، ويمكن تقسيمها إلى بدلات
واسعة ومزخرفة. الملابس العليا بهيجة، وهي في العادة مزينة بتطريزات
يدوية وزينات فضية بتصاميم التنين والعنقاء والسمك والطير والوحوش.
التنورات مضفورة يدويا بالتمام، وأطول جانب منها يمتد أكثر من 10 سم.
يقال إن التنورات القفصيرة، تم تصميمها ? تاريخيا ? لتلائم العمل.
ولكن هذه الأزياء، أصبحت اليوم موارد ثقافية للتنمية السياحية. تحظى
مناطق المياويين أصحاب التنانير القصيرة بمناخ لطيف ومريح، لا هو بارد
في الشتاء ولا هو حار في الصيف. هذا الفرع يعتبر رأس السنة الجديدة
المياوية أهم الأعياد، ويحتفلون أيضا بعيد الربيع لقومية هان .. يتخلل
ذلك سلسلة من النشاطات الشعبية بما في ذلك : مصارعة الثيران، ومصارعة
الطيور، والرقصات المصاحبة للموسيقى من (( لوشنغ )) ? آلة نفخية من
القصب.
تمتاز قومية مياو بتاريخ عريق وتوزيع واسع في الصين، يتركزون رئيسيا
في مقاطعة قويتشو، ولكنهم يتواجدون أيضا في مقاطعت هونان، سيتشوان،
يوننان، هوبي، هاينان، وفي منطقة قوانغشي الذاتية الحكم لقومية تشوانغ.
وأصبحت كذلك قومية دولية، إذ أن أبناءها ينتشرون في دول عديدة بما
في ذلك : تايلند، لاوس، فيتنام، فرنسا، المانيا، بريطانيا، كندا، الأرجنتين،
الولايات المتحدة.
في خلال إقامتنا بقرة المياويين، غمرتنا ضيافة أبناء مياو. كلما جاء
ضيوف بارزون من خارج القرية، تقيم العائلة المضيفة وليمة فاخرة، يأتي
بعد ذلك دور أشقاء المضيف، ثم الجيران، وحتى القرويون. بالإضافة إلى
السمك، تضم المأدبة الدجاج والبط واللحم والفطريات وجبنة فول الصويا
وبراعم الصويا والخضروات المخللة والنقانق. ومع أنخاب النبيذ المحلى،
يتطاير غناء المياويين مما يضيف البهجة والانشراح.
وافقت القرويات أن يقدمن عرضا لعملية الحياكة. بدأن باختيار عدة قطع
من القماش، ثم طرزن عليها تصاميم متنوعة. وفي الأخير، ألصقنها على
الرداء. أحيانا .. يلتقطن تصاميم جاهزة، وينسجنها مع مختلف الأجزاء
من الملابس. أزياء المياويين واسعة، مفتوحة، سميكة. وفي العادة تتكون
من عدة لفات. أزياء الأعياد والمناسبات الكبرى تحتاج إلى عدة سنوات
لإنجازها. القوى بعيدة عن الطرق، والجبال يجعلها لا تتصل بأحدث اتجاهات
الموضة. ولكن مشاهدة الزخارف الجميلة العابقة بعناصر التجديد، تجعل
الإنسان يحار من مواهب النساء المياويات في التطريز والحياكة.
رداء حفلات
للمياويين أصحاب التنانير القصيرة
نساء المياويين
أصحاب التنانير القصيرة في داتانغ ? محافظة ليشان ? يحتفلن بالسنة
الجديدة لقومية مياو.
امرأة متزوجة
تصطحب طفلها لزيارة الأجداد
فتيات من
المياويين أصحاب التنانير القصيرة، يرحبن بالضيوف برقصة لوشنغ.
قرية مياوية تبدو من بعيد على الجبل.
مع أن التنانير
قصيرة، لكنها تحتوي على أكثر من عشر لفات