تكريس الحياة للوقاية من الايدز ومعالجته
بقلم: وانغ يونغ تشيانغ تصوير: فوتوكوم


أمضت مسنة تدعى قاو ياو جيه وتجاوز عمرها سبعين سنة، 7 اعوام في استنفاد كل جهودها لتنوير الناس بعلم الوقاية من الايدز والامراض وتسديد الضربات الى النصابين الطبيين. فقد انعم الناس عليها بلقب " اول من يمارس الوقاية الشعبية من الايدز" كما جاء في التعليق عليها من الاوساط الاجنبية انها تتميز بالخصال الحميدة مثل الراهبة تيريزا(Teresa). وفي 2001? منحها " المجلس العالمي للصحة " جائزة جوناثان مان للصحة وحقوق الإنسان".. اذ انها أنفقت مبلغا من أموال الجائزة يصل الى 20000دولار امريكي ومبلغا وقدره 10000دولار امريكي من الأموال المقدمة هدية اليها، لاجل زيادة طبع المنشورات الداعية لـ "الوقاية من الايدز ومداواته". ثم فازت في 2003? بجائزة رامون ماغساي للخدمة العامة – "جائزة نوبل الاسيوية" التي تثني على المساهمة العظيمة المقدمة منها الى قضية الوقاية من الايدز ومعالجته. هذا وقد سماها السيد انان الأمين العام للأمم المتحدة بـ" شخصية نشيطة نسائية تمارس التوعية بالوقاية من الايدز ومعالجته في أرياف الصين".. ثناء عطرا عليها.
?ا هي ألاستاذة المتقاعدة في معهد الطب التقليدي الصيني بمقاطعة خنان واختصاصية بارزة لأورام النساء ونائبة لمجلس النواب الشعبي المحلي السابع وعضوة من أعضاء المتحف التاريخي والثقافي في المقاطعة.
أول شخص مشتبه في الاصابة بالايدز
قالت قاو: دعيت انا على باب الصدفة، الى المشاركة في التشخيص الجماعي لمريضة اسمها العائلي "با" نزلت في مستشفى اخر بخنان . وذلك في 7 من ابريل العام 1996. واخيرا شخصت تشخيصا صحيحا بانها قد أصيبت بالايدز. وذلك بسبب عدوى فيروسه من نقل الدم اليها في العملية التي أجريت لها، في الماضي البعيد. وفي ساعة الاحتضار شدتني وظلت تشكو وتبكي قائلة:"نقل الدم الي مجرد مرة فكيف لا أجد سبيلا الى النجاة من الموت؟ لا أريده أبدا! لا احتمل اذا تركت زوجي وطفلي وحيدين... ". وبعد عشرة ايام من ذلك ماتت عن 42 سنة. ولكن، لم يصب زوجها وطفلها بهذا المرض.
انها كانت اول من رأت من المصابين بالايدز. آنذاك أوجعت قلبها بلا رحمة أمارات الحزن على وجهها وإجهاشها بالبكاء. ولكن ليس في وسعها كطبيبة ان تنقذها من الموت.. وبذلك اصبحت قليلة الشهية وظلت ارقة خلال فترة دامت عدة ايام متتابعة. ومما يؤلم قلبها، خاصة ان اصابتها بالايدز كانت ناتجة عن الدم المأخوذ من بنكه. وتلك المسكينة ليست سوى غيض من فيض الموتى من الايدز اذ استشرى استشراء النيران في الهشيم. هذا من جهة ومن جهة اخرى ادركت قاو في الوقت نفسه ان المريضة من اصابتها بالعدوى الفيروسية الى الموت مضت عليها سنتان، تقريبا وعوائلها لم يكونوا قد تلوثوا بها. ذلك يعني ان تحقيق النجاح في الوقاية من الايدز ليس بصعب جدا. والشرط الاساسي لذلك لا بد من اطلاع الناس على وعي ان الوقاية منه امر ملح يتطلب استيعاب المعارف حولها الى ابعد الحدود.
ترامى الى مسمع قاو ان زوج الراحلة با اضطجع ونام امام قبرها لبضعة عشر يوما بعد دفن جثتها اذ انه ندم اشد الندم على المطالبة بنقل الدم اليها. فلقد احزنها جدا ان يجيئها ذلك النبأ. حاليا تقتصر الدعاية للوقاية من عدوى الايدز على ايلاء شديد الاهتمام باهم الوسائل لانتشاره بما فيها، على سبيل المثال، الاتصال الجنسي، التردد على دور البغاء، الدعارة، الفجور، تعاطى المخدرات عبر الحقن الوريدي، التلمس الى مخاللة النساء. وقليلاما يذكر في ذلك " كارثة الدم" مصدرها العملية الطبية. ان هذا اذكى على وجه التحقيق، حماسة السيدة قاو لأداء الواجب الاجتماعي الملقى على عاتقها في الحرص على الحياة.
بعد قليل من ذلك اتخذت قاو قرارا: رفضت شاكرة زيارة المرضى وكرست بقية حياتها للوقاية من الايدز. حيال هذا قالت:" لو واصلت عيادة المرضى لما استطاعت يوميا، ما عدا عيادة عشرات الاشخاص. ولكن، صار في وسعي ان اجعل بعد ان تابعت الوقاية من الايدز، مئات حتى آلاف الاشخاص منورين بعلم الوقاية منه .. مما أدى الى انقاذ مزيد من الناس.." ان السيدة قاو املها كبير ان تبلغ قصاراها لحث كل المجتمع على وعي الايدز، واعارة الاهتمام به وان يكون بعيدا عنه، اخيرا.
قلبا واحدا مع الوقاية من الايدز
بلغ الراتب التقاعدي لكل من السيدة قاو وزوجها مبلغا وقدره 2000يوان. دخلهما الشهري هذا يكفي لان يعيشا الحياة الرغيدة.. لكن بيتها يصر على ممارسة الاقتصاد في تدبير جميع اموره وتخفيف المصاريف حتى يصرف،شهريا، ما يقرب من 200يوان لشراء اللوازم اليومية ويأبي ابتياع الكماليات والمغذيات والملابس الراقية... ومع ذلك ان السيدة قاو انققت، اعتبارا من العام 2000? جميع المدخرات التي وفرها بيتها، لمساعدة المصابين بالايدز وعائلاتهم.
تعتاد قاو ان تتناول الطعام البسيط والشاي الخشن ولا تعمل شيئا بلا حساب .. غير انها بذلت بسخاء ما لها من مكافـآت مالية ومكافآت كتاب يصل مبلغها الاجمالي الى قرابة مليون يوان لطبع 770الف كراسة للتوعية بالوقاية من الايدز تم لليوم توزيع 750الفا من بينها.. مع العلم ان تلك النشرة الاعلامية كتبتها بنفسها وتقع في 4 صفحات مطبوع وجهان لكل منها.
اشرفت قاو على نشر جريدة مصغرة باسم " معارف عن الوقاية من الايدز". وقد نشرت 15 عددا منها. وبلغ عدد نسخها350 الف نسخة. وباستثناء العدد الاول كانت نفقات الطبع لبقية اعدادها على حسابها. في خريف 2001? قامت بتحقيق عام لمدى معرفة الوقاية من الايدز بين 10الاف شخص. وقد جاء من ذلك ان هؤلاء الذين يدركون ادراكا صحيحا وسائل انتشاره وطرائق الوقاية منه من بينهم، يقل عددهم عن 15%. والانكى من ذلك ان بين جميعهم ما من احد يلم بانتشاره عبر الدم. ابتغاء تنمية التوعية بالوقاية من الايدز على خير وجه ذهبت الى تأليف كتاب يحمل العنوان: "الوقاية من الايدز والامراض التناسلية". وقد طبعت بالتتابع 300الف مجلد، وكانت نصف نفقات طباعتها على حسابها. وهذا الكتاب يهدى الى العاملين الطبيين في المؤسسات الاساسية للخدمات الطبية والمصابين بالايدز وعوائلهم، حريصة على تعميم المعارف عن الوقاية منه في الارياف. ومنذ عام 2001? وصلت اليها رسائل طلب الكتاب من كل حدب وصوب من البلاد. وجدير بالذكر ان هذا الكتاب اتخذ مادة تدريسية في دورات تنمي الكفاءات في الوقاية منه في مقاطعات هاينان، هوبي، قوانغدونغ، يوننان ومنطقة شينجيانغ. هناك أناس من ذوي النية الطيبة حاولوا اقناعها بالانشغال عن هذه التجارة الخاسرة. وحيال ذلك قالت: " المال ما ولدت معه وكذلك لن أموت معه. الانسان عليه ان يعمل شيئا لصالح غيره ما دام على قيد الحياة. فاني اطمئن لوعملت بعض الاشياء على جانب عظيم الاهمية!
في الساعة الخامسة صباحا في 29 من مارس 2001? غادرت تشنغتشو متجهة الى تشوماديان، بالقطار. وفي الساعة العاشرة صباحا، تركت القطار لتستقل الباص الطويل المسافة، قاصدة الى شينتساي. وباختناق الطريق بالعربات لم تصل الى المقصد الا في الساعة الثامثة والنصف مساء. فقد بقيت في الباص المزدحم بالركاب، طوال 9 ساعات ونصف والهواء فيه كان خانقا حتى كان الشابان بصحبتها يمدان رأسيهما الى خارح النافذة من حين للاخر ليتنفسا الصعداء، بيد انها كعجوز في سن السبعين لم تكن بدا سوى القبوع في عقر الباص لتجشم عذاب السفر البعيد. لما وصل الباص بها الى المقصد ونزلت منه تورمت قدماها حتى عجزت عن الوقوف عليهما. ولليوم مضى زمن طويل على ذلك. ولكن قلبها ما زال يرتجف رعبا ما ان استذكرت ذلك الحال. وفي معرض حديثها عن ذلك قالت: قد انتابني خوف شديد من اني لو سقطت على الارض لما استطعت الوقوف. هناك كثير من شئون الوقاية من الايدز يجب علي ان اباشره بنفسي، فلا يجوز ان ارحل من الدنيا ولم انته في تنفيذ التزاماتي الموعودة!
"الانسان لا يجوز ان يحيا لاجل المصلحة الذاتية"
الشقة التي تسكنها وزوجها والمتكونة من غرفتين، لم تتجهز باي نوع من أمتعة البيت الفاخرة. وان نحسب جهاز الكمبيوتر شيئا ثمينا من بينها فانه لم يكن الا هدية قدمها اليها طلبة جامعة تشينغهوا ببكين، قبل 3اعوام. بيتها كاد يصبح مركزا للاستشارة في الايدز وتقديم شكواه لها. فقد صارت مطلوبة على التلفون عشرات المرات وترد على ما يقرب من 10 رسائل موجهة اليها، في كل يوم.. اذ كان المصابون بالايدز يحبون ان يشاوروها في ما يختص بمجاهلهم عن مرضهم او يشكوا اليها تعرض انفسهم وعوائلهم للمعاملة غير العادلة.. ان فعلها هذا في انظار بعض الناس انه ليس بمعقول. فقد عيروها، بالقول انها "تتصرف تصرفا طائشا" ?" تجني ما تزرع".. وردا على ذلك قالت قاو:" في نظري ان الانسان لا يجوزان يفكر في المصلحة الذاتية فقط ما دام يحيا، بل يجب عليه ان يخدم غيره من الناس الكثيرين. يقال ان كل الكائنات في الدنيا لها نفع. على سبيل المثال ان البوم في وسعه ان يقبض على الفأرة..ويأكلها؛ حتى اليعسوب يفترس الناموس، ايضا. فاذن، ما العمل للانسان؟ كل شخص عليه ان يكون مستعدا لان يقدم مساهمات ثمنا لتقدم المجتمع وكلما تزداد اكثر تنفعه اكثر. عموما يكون اي منها احسن من ما يعود به للمجتمع، هؤلاء الذين يسعون وراء الفائدة الشخصية على حساب المصلحة العامة."
الاستاذة قاو تعزم على مواصلة المضي قدما في ممارسة التوعية بالوقاية من الايدز وتأليف المزيد من الكتب لكي تستوعب الجماهير الشعبية الواسعة المزيد من المعارف عن الوقاية عنه، وتعلم انه ليس مخيفا في الواقع. وعلاوة على ذلك، ستغتنم بشكل احسن الوقت لايجاد حل للمسائل الثلاث التي يواجهها يتامى المصابين به: بقاؤهم، تعليمهم والهموم التي تساورهم. وفي هذا الصدد قالت: اني اعرف جيدا ان الجهود المبذولة مني لن تعود لي بعائد ايا كان. بل يمكنني ان اكون محل حب غامر ودعم عظيم من الجمهور .. ها هما من الثمار اليانعة التي اتت بها مجهوداتي." ومن ثم قالت بتأثر شديد: قوتي محدودة. والمصابون بالايدز كثيرون فلا يمكنني بمفردي ان انقذهم جميعا ولو بعت شقتي التي اسكن فيه حاليا. غير ان املي كبير ان جهودي في وسعها ان تلفت الاهتمام الاجتماعي بالايدز." وما ان انتهت من هذا الحديث حتى سالت الدموع من مآقيها.
الدوبيت المعلق على جدار غرفتها يقول: لعل الناس جميعا في صحة تامة وليس من المهم اني وحدي اذوق مرارة الفقر. من هذا الدوبيت خطر في بالي ان السيد هوري هولكري ((Horri Holkeri رئيس الجمعية العامةالـ55 للامم المتحدة حينما كال آيات المديح للسيدة قاو أمام الاوساط الاعلامية العالمية قال: ان العلم والمعرفة افضل لقاح ضد الايدز. هناك سيدة تكرس حياتها للتوعية بعلم ومعرفة الوقاية منه في مقاطعة خنان، الصين. قصتها عن ذلك مثيرة جدا. وروحها السامية محل الاعجاب من الجميع...

الاستاذة قاو ياو جيه تقصد مكتب البريد سويا مع زوجها لارسال المنشورات المجانية للتوعية بالوقاية من الايدز.
الاستاذة قاو تعتني بالاطفال المصابين بالايدز اعتناء الجدة.
كثيراما تدعو الاستاذة قاو بعض المصابين بالايدز الذين يأتون منزلها للاستشارة منها الى تناول الطعام معها.