|
عندما وقفت أنا في
ساحة مسجد عيد كاه بكاشغر، أشارت الساعة إلى السادسة والنصف مساء وجاء
فصل الخريف. الشمس لم تغرب بعد حينذاك. وفي هذا الوقت، قد أسدل الليل
ستاره في العاصمة بكين. كنت قد رأيت في الساحة جماعة من الرجال الويغوريين
يتجمعون وهم يلبسون قبعات ملونة خاصة لقوميتهم، ويرتدون أزياء رمادية
ضاربة إلى الأزرق، ويشمرون فتحات البنطلون، وفي عيونهم ثبات ونقاء
وتقي. يبدو كأنهم قادمون من الريف. إن زيارة كاشغر أمنية يحلمون بها
منذ وقت بعيد.
كاشغر، مدينة مشوقة بالنسبة إليهم بل بالنسبة إلي أنا أيضا، إذ أنها
مدينة على أقصى غرب بلادنا.
قبل مجيئي، جاءت كل معلوماتي عن هذه المدينة من الصور الفوتوغرافية
أو من الكتب والمنشورات. واليوم، وصلت إليها حقيقيا. ولكن الانفعالات
التي أتوقعها منذ وقت طويل، قد تحولت إلى هدوء، لأنني واقف على قدمي
أمام مسجد عيد كاه لأرى أولئك الرجال المتدينين القادمين من الريف
وهم يقفون في الساحة في صف واحد. وكل ينتظر دوره لالتقط صورة له حتى
يعلقها في أبرز موقع في بيته.
كاشغر، مدينة حدودية بعيدة عن بكين. لها جاذبيتها الخاصة بالنسبة إلى
جميع الذين يعيشون في المدن الكبرى في أعماق البلاد.
أول انطباع أعطتني إياه المدينة هو الإعجاب. أنف المواطن الويغوري
مرتفع وعينه عميقة تتلألأ من عينه أنوار صفراء ضاربة إلى السمرة، وكل
الإعلانات في الشوارع مطبوعة باللغتين الصينية والويغورية. سرني كل
ما رأيته في المدينة.
وأكثر ما سرني وأعجبني هي زيارة مدينة كاشغر القديمة. ظلت المدينة
القديمة تحافظ على ملامحها الأصلية في العصور الوسطى .. تنتشر البيوت
هنا وهناك بلا انتظام، والنحاسون يصنعون الأدوات بالمطرق في دكاكينهم.
والشيوخ يجلسون أمام بيوتهم نعسا. والأطفال يركضون بين الأزقة حفاة
الأقدام. حينما رأوني، اقتربوا مني قائلين : هالو، هاو أريو ? ثم توقفوا
أمامي ليطلبوا مني التقاط الصور لهم. وبعد قليل، هربوا مني.
التجوال في المدينة القديمة يمكنك أن ترى الكثير من المساجد الصغيرة
والأنيقة، وتتوسطها المطاعم والدكاكين المختلفة لصنع الرغيف وخياطة
الأزياء وبيع الخضروات وبيع البضائع اليومية. والأزقة العميقة تشعرك
بأنك قد عدت إلى عصر ما قبل مئات السنين. توقف الزمان والمكان، وابتعدت
عنك الحياة الواقعية، ويحيط بك كل المناظر متشابكة ومعقدة. الأزقة
ملتوية ومتصلة بعضا ببعض تحيط بما لا يحصى من الأفنية. وأكثر المناظر
جمالا هو فتيات ويغوريات في فساتين جميلة وهن يسرن من أعماق الزقاق،
وتزيد فساتينهن الملونة مع الجدران الصفراء اللون من سحر جمالهن.
أيغوري، طالبة تتلقى التعليم الابتدائي في الفصل الرابع، جميلة وذكية.
طلبتها هي وشقيقتها أن تكون دليلة لي في الزيارة. أوصلتني أولا إلى
معمل لصناعة وبيع الأوعية الفخارية. أعجبتني الفخاريات المصنوعة الجميلة،
فاشتريت قطعا منها كهدايا إلى أصدقائي في بكين. ومما عرفته بعد ذالك
أن صاحب المعمل هو من أقرباء الفتاة أيغوري .. هي متوقدة الذكاء التجاري
حقيقيا.
قادتني أيغوري وشقيقتها إلى بيت مفتوح الباب على الزوار حيث التقيت
السيد محمودي أمين الذي يضيفه صاحب البيت. إن أمين مشهور جدا بصناعة
الآلات الموسيقية. هو من الجيل الخامس لأسرة هذه الصناعة. كنت أريد
زيارة معمله فهز رأسه موافقة.
بعد توديع الشقيقتين، ذهبت بصحبة أمين إلى دكان لبيع الآلات الموسيقية.
ينتج الدكان 28 نوعا من الآلات، أغلبيتها ويغورية. بدأ جده وأبوه يعملان
فيه في تسعينيات القرن الماضي. في عام 1985? أسس جده معملا خاصا لنفسه.
وشيئا فشيئا اغتنى به بسرعة. قال لي أمين إن كل الأفراد من أجياله
السابقة معمرون. وصل عمر الجيل الأول إلى 137 سنة، والجيل الثاني إلى
117 سنة، والجيل الثالث إلى 99 سنة. اليوم قد وصل عمر والده 68 سنة
? وهو في السادسة والثلاثين من عمره. له ابنان أحدهما في السابعة والآخر
في الخامسة. سحب أمين آلة موسيقية معلقة على الجدار ليعزف عليه مقطوعة
موسيقية طروبة تجعل كلا من أعصابي وكل خلية من خلاياي يرقص فورا.
كاشغر ليست مدينة غنية الثروة بالمعنى المتعارف عليه. ومع ذلك، يرضى
المواطنون بحياتهم اليوم. يوجد في المدينة مساجد ومطاعم وبازارات صاخبة
كبيرة وصغيرة، ويوجد أنسباؤهم وأصدقاؤهم. ليست لهم عادة على غبطة حياة
غيرهم، لأن حياتهم، باعتقادهم، حسنة، هادئة ولذيذة.
هذه هي كاشغر التي أشتاق إليها منذ وقت طويل. سوف أعود إليها مرة أخرى.
كاشغر تقع على جنوب غربي شينجيانغ، هي مدينة في أقصى غرب الصين. تاريخها
عريق يعود إلى 2100 سنة. كانت همزة وصل لثلاثة من طرق الحرير القديمة
الجنوبية والوسطى والشمالية. كانت مركزا مشهورا سياسيا واقتصاديا وثقافيا
وعسكريا ودينيا في منطقة بلادنا الغربية في الفترة من عهد أسرة هان
الغربية ( 206 ? ? ? 220 ? ) إلى أواخر عهد أسرة تشينغ ( 1644 ? 1911
? ). يقولون : عدم الوصول إلى كاشغر يعني عدم الوصول إلى شينجيانغ.
يتمتع كل ما في كاشغر مثل البنايات والبازار والآثارات والأشغال الحرفية
بجاذبية استثنائية.
مسجد عيد كاه ضخم وفاخر. هو الأروع من نوعه في شينجيانغ، بل في الصين
كافة. أمامه ميدان تشع الطرق الواسعة منه إلى أربع جهات. يتدفق المسلمون
إليه للصلاة، وأقصى العدد للمصلين تجاوز ثلاثين ألفا.
يعتنق الويغوريون الإسلام. هم متحمسون في ضيافة الزوار باللحم والأرز
والشعرية المتبلة.
ضريح المحظية آباهوغا الذي تمتد شهرته إلى أنحاء شينجيانغ، يقع على
بعد 5 كيلومترات إلى شمال شرق كاشغر. إن الضريح بناية قديمة ذات أسلوب
إسلامي مثالي. البناية مبنية من القراميد المزججة الزرقاء والخضراء
والصفراء.
كاشغر مدينة تجارية تربط بين آسيا الوسطى وآسيا الغربية. فيها أسواق
كثيرة ومعارض كبيرة تسمى " معرض تبادل البضائع لآسيا الوسطى والغربية
". في شمال شرق المدينة أسواق خاصة للأزياء والحاجات اليومية والأشغال
الحرفية والجلود والفرو والفواكه المجففة والأخشاب والانتيكات.
|
|
|

|
|
|
|
|
|