سبع سفرات بحرية قام بها تشنغ خه الى المحيط الغربي
ـــــــ إقلاع بعيد قبل الاكتشاف الجغرافي العظيم الاهمية
بقلم: لو آن تشي


في 11 يوليو العام 1405? ازدحم ميناء ليوجيا ( مصب نهر ليوخه في محافظة تايتشانغ، مقاطعة جيانغسو اليوم) في جنوب الصين الشرقي، بجمهور يودعون اسطولا بحريا قبيل اقلاعه ليشق العباب باجنحة الرياح في المحيط الغربي ( جرت في الصين خلال مدة طالت من القرن الثالث عشر الى اواسط القرن السابع عشر، تسمية البحار في غربي بحرها الجنوبي والمناطق السواحلية لها، بخلاف الهند والاقسام الشرقية من افريقيا بالمحيط الغربي ككل).
كانت هناك قرابة مئة سفينة ضخمة يتكون منها الأسطول البحري وهي تصطف على شكل V المقلوب وترفع آلاف الاشرعة وتزدان بما لا يحصى من الاعلام والرايات. وكان عرض البحر اللازوردي الذي كان الاسطول راسيا فيه يبدو كما لو انه مرج في الربيع يكتسى بالزهور في اوج تفتحها. فيا له من مشهد رائع لم يعرفه ابدا عالم بحر الصين الجنوبي.
هذا المشهد الحافل يعود الى ما قبل ستمائة عام حينما قاد البحار البارز تشنغ خه الاسطول الملكي لاسرة مينغ الكبرى الصينية (1368- 1644)لاقلاعه الاول نحو بحر الصين الجنوبي والمحيط الهندي.
غادر الميناء الأسطول متجها نحو الجنوب ليصل، اولا، الى تشامبا في القسم الجنوبي من وسط فيتنام وسيام ( تايلاند اليوم)? وسومطرا ? اندونيسيا، وملقا، ثم دخل المحيط الهندي ليمر بجزيرة باليمبانغ وسيلون (سري لانكا اليوم) ومدن الهند: كولام، كو تشين، وكاليكات.. وبعد ان انتهى من زيارة الاماكن المذكورة اعلاه سلك طريق العودة الى الوطن الام.
بعد أن نجح تشنغ خه في الملاحة الاولى إلى المحيط الغربي ذهب إلى قيادة الأسطول الملكي الصيني في القيام بالملاحات الغربية الست ال، البحر 26 سنة تلت إقلاعه الأول. وفي ما يزيد عن 30 من المناطق والبلدان الآسيوية والأفريقية أثار أقدام خلفها الأسطول تحت قيادته. وكان مرفأ البحر الأحمر وافريقيا الشرقية من أقصى الأصقاع التي ارتادها الأسطول. اعتبر هاوي التاريخ غاون منزيس الذي سبق له ان تولى منصب آمر الغواصات الملكية البريطانية ان الأسطول تحت قيادة تشنغ خه دار حول رأس الرجاء الصالح ودخل المحيط الأطلسي. وقد سبق الدول الغربية لغاية 70 سنة إلى اكتشاف القارة الجديدة كما تكلم بعض العلماء بجراءة عن أن الأسطول قد قام برحلة حول العالم.
تشنغ خه - لقبه سان باو- (1371- 1433) ولد في اسرة اسلامية في مقاطعة يوننان، الصين. كان واحدا من خصيان القصر يخدم الامبراطور يونغله في سلالة مينغ الملكية (1368- 1644). القصص عن مآثره كبطل تاريخي في الرحلات البحرية السبع قد جرت على كل شفة ولسان وخلفت وراءه سمعة طيبة تتداولها الأجيال. العام الحالي صادف مرور 600 سنة على سفره البحري البطولي. وبهذه المناسبة هم الشعب الصيني لاحياء ذكرى هذا البطل الممتاز عن غيره في التاريخ، عبر شتى المراسيم المهيبة.
مأثرة فريدة في التاريخ العالمي للملاحة البحرية
في عام 1497? دار اسطول بالسفن السبع تحت قيادة القبطان البرتغالي دا غاما حول رأس الرجاء الصالح ودخل المحيط الهندي. لما هتف بحارته لوصوله الى غولي( كاليكات، الهند اليوم) اعلمهم محليون بان هناك اسطولا بحريا ضخما حط رحاله، اكثر من مرة، عندهم، قبل 90 سنة. وهو مجهز بالمعدات الممتازة. وكلما جاءنا كان تشكيلته من ما يتراوح بين 20 ?30 من السفن الكبيرة. ان الاسطول الذي ذكروه لم يكن الا قسما من الاسطول تحت قيادة تشنغ خه.
اعطى الاسطول البحري تحت قيادة تشنغ خه دليلا دامغا على ان الصين قد استوعبت في القرن الخامس عشر، العلوم والتكنيك للملاحة البحرية والمهارة المتوفقة في انتاج السفن. وذلك تقدم لجوء بارتولومو دياس، كريستوفير كولومبوس ودا غاما الى محاولات السفر البحري والاستكشاف، بقرن واحد، تقريبا.
خلال مدة طالت 28 سنة بين 1405 ?1433 أبحر تشنغ سبع مرات، الى "المحيط الغربي". وفي كل رحلة قام بها الاسطول تحت قيادته بلغت تشكيلته ما يقرب من مئتي مركب على اختلاف انواعها. كانت السفينة الاكبر من بينها 150 ? طولا، ?60? عرضا، وهي متزودة بـ 9 صوار ?12 شراعا. وحمولتها مقدرة بالف طن ومن الممكن ان تتسع لألف راكب. آنذاك كانت الاكبر حجما والاكثر حداثة من نوعها في العالم. واكبر الظن انها تعادل الباخرة المعاصرة حمولتها 8000 طن. وكان بين مرافقي تشنغ ملاحون، حرس، تكنيكيو ملاحة، مشرفون على الشئون اليومية، مترجمون، وأطباء واخرون.. وكان عددهم الاجمالي يقرب من 30 الف شخص. وكان الاسطول مشحونا باللوازم الكافية لتأمين ملاحته ومعيشة جميع الملاحين وكذلك باللآلئ والأحجار الكريمة والحرائر والخزفيات ونوادر الطيور والحيوانات كي يقدمها هدايا للاصدقاء الاجانب او يتجر بها.
في النهار ظل الاسطول يفيد من البوصلة للملاحة ومن الرايات للاتصالات وارسال التوجيهات وتنسيق الخطوات؛ وحينما يسدل الليل ستاره تكون النجوم والبوصلة الملاحية مؤشرات لاتجاه الاسطول والفوانيس ادوات للاتصال بين سفنه. وفي حال مدى الرؤية السيئة الناتجة عن الضباب الكثيف او نزول المطر تكون الصنوج والابواق والمزامير النحاسية ادوات للمواصلات. وفوق ذلك اوجد الاسطول حلا معقولا لتخزين ماء الشرب وتوازن السفن وقدرتها على مقاومة الغوص فقد قلما حدثت لسفنه مفاجأة حتى ولو صارت في حالة خطرة للغاية.
آنذاك لم يكن العالم يعرف الآلات المحركة. وبحاره في اغلبها لم يتم بعد تعيين الحدود لها. وقاراته تفصل بينها المحيطات. فكيف استطاع تشنغ ان يحقق النجاح الباهر لتلك السفرات البحرية؟ وما هي القوة التي تدفعه الى ممارسة ذلك العمل العظيم؟
صودفت الملاحة الغربية التي قام بها تشنغ في 1405 بـ "زمن يونغله للرخاء والازدهار" في مطلع اسرة مينغ.. الزمن الذي كان واحدا من تلك الازمان الاكثر عزا التي كانت الصين تزهو بها في تاريخها القديم. وفي الوقت ذاته كانت امبراطورية مينغ من اقوى واغنى امبراطوريات العالم.. اذ انها كانت تمتاز بالتفوق المطلق سواء أكانت في القوة الاقتصادية والعسكرية ام في صناعة السفن وتقنية الملاحة. كل هذا ارسى اساسا ماديا وفنيا لتكلل تشنغ بالنجاح في السفرات البحرية.
في أوائل القرن الخامس عشر، هبت البلدان الشرقية والغربية على طرفي اليابسة الاور- آسية الى أعالي البحار، في آن واحد. وقد دلت مبادرة الشرق والغرب الى السفر البحري، بكل معنى الكلمة، على بداية تحول حركة الانسان من البر الى البحر. آنذاك حث النمو السريع للاقتصاد السلعي في دول اوربا الغربية على نشاطات السفر البحري والاستكشاف للبحث عن الذهب والتوسع الاستعماري في ما وراء البحار. وعلى طرفي النقيض من ذلك، ما كان حافز تشنغ خه الشرقي للابحار البعيد من نفسه بل من آمره وهو الامبراطور الصيني في يومه.
كان الإمبراطور يونغله (1403- 1424) حاكما عبقريا بعيد النظر. حينما كان متشبثا بزمام السلطة اتخذ شتى الإجراءات الفعالة لتطوير الاقتصاد الوطني من جديد واعادة الانتاج الى مجراه الطبيعي. وبعد ان اصبحت البلاد مزدهرة وغنية حاول دمج النمو الاجتماعي لبلاده بالتطور العالمي، خاصة ببيئات الدول المجاورة كي تحافظ البلاد على السلام الدائم والنمو المستديم والاستقرارالطويل المدى.. هذا والسفر البحري الذي قام به تشنغ الى اعلى البحار ما كان سوى اجراء هام لتنفيذ سياسته الخارجية. بالاضافة على ذلك انه قد حاول بعث عدة أساطيل ملكية الى مختلف بقاع العالم لمزاولة الاعمال التجارية لتزويد خزانة الدولة واحلال التجارة الرسمية محل التجارة الشخصية.
هناك كثير من المؤرخين ذوي الملاحظات المتفاوتة حيال دوافع تشنغ الى القيام بالسفرات السبع للمحيط الغربي. وحتى اليوم بقي غرضه الحقيقي لذلك ملتبسا وغامضا: هل كان يهدف بأمر الامبراطور الى البحت عن ابن لأخيه حرمه بدوره من ولاية العهد وكان مصيره مجهولا؟ او يحاول ان يبحث عن وحدة مفقودة من قوات اسرة مينغ الملكية؟ او يبادر الى دعم التجارة في ما وراء البحار؟ مهما يكن الامر فان السفر البحري الذي قام به الى المحيط الغربي قد دل على ان الايام الذهبية لملاحة الصين قد اقبلت بكل تأكيد.. رغم ان الزمن عفا عليها نتيجة الاسراع فور ذلك الى فرض سياسة " الحظر البحري" لمدة طالت 300 سنة.
السفر البحري لاجل السلام والصداقة
مما جاء في الأوبرات القديمة والمعطيات العائدة الى عهد اسرة مينغ الملكية يتوضح للعيان ان الاسطول تحت قيادة تشنغ كوفد صيني ابحر الى المحيط الغربي باسلوب الشرق المتسم باللطف والتواضع واللياقة الدولية. وقد تعايش مع الشعوب المحلية، في وفاق تام حيثما اتجه.
لما وصل هذا الوفد الصيني الى مملكة تشامبا احسن وفادته ملكها وقد استقبله على رأس الامراء والوزراء وحرس الشرف من 500 محارب باسل يمتطون الافيال. وقد ذهب تشنغ على رأ ? حرس الشرف بـ500 من حراس الشرف الى المعاملة بالمثل. ومن ذلك انه تقدم بالمرسوم الامبراطوري من اسرة مينغ الى الملك بعد ان قرأه امامه ثم بلغه ما تمناه من تعزيز علاقة حسن الجوار مع مملكته وقدم اليه الهدايا السخية. وفي اعقاب ذلك اقام الملك مأدبة فخمة على شرفه. زار الاسطول ما يزيد عن 30 من المناطق والدول الاسيوية والافريقية. وفي كل منها كان قد استقبل استقبالا وديا من المضيف وعامله بمثل ما ذكر سالفا. وبفعله هذا اقيمت علاقة الصداقة بين الصين وتلك المناطق والبلدان وتطورت.
عندما قام تشنغ بالسفرات البحرية الى المحيط الغربي في مطلع عصر اسرة مينغ كان وضع العوالم الخارجية حول الصين مضطربا. ففي تلك المناطق والدول التي قام بزيارة لها بادر الى التوسط في النزاع الدولي والمساعدة على الحيلولة دون الاشتباك وإزالة سوء التفاهم والخلافات بينها. وكمثال نموذجي لذلك توسط بنجاح في النزاع بين سيام وملقا. وقد مر بهما، مرتين الاسطول تحت قيادته حينما ابحر الى المحيط الغربي في عامي 1409 ?1432. حينذاك بذل كل ما في وسعه لتقديم النصائح لهما حتى اعادة العلاقات الطيبة اليهما.
ظل تشنغ يولي بالغ الاهتمام باتباع السياسة الخارجية السلمية عندما كان يقوم بالملاحات الغربية. وكان اهتمامه بالتصدق على المحليين واقامة جسر من العواطف الدينية معهم من نواة تلك السياسة. وعلى سبيل المثال ان هذا الوفد الصيني تحت قيادة تشنغ ذهب الى التصدق في مكان يحكى ان ساكياموني قام فيه بنشر تعاليم البوذية. فعله هذا كان وما زال امثل دليل على ان له صدرا رحيبا يفتح لشتى انواع الافكار والديون.
مما جاء في " التاريخ الصيني للعلوم والتكنولوجيا" بقلم الدكتور يوسف نيدام البريطاني: ان بحارالشرق الصيني الجنسية كان هادئا رابط الجأش.. متصفا بالكرامة ( من النوع المحدود) ..انه لم يكن ابدا شخصا يضمر انتقاما.. ويهدد سلامة آخرين.. وان كان من عادته ان يزعم لنفسه انه صاحب الفضل. ان الملاحين برفقته مدججون بالسلاح .. لكنهم لا يستولون على أمة أخرى ولا يذهبون الى انشاء استحكامات..
على العموم كان الاسطول قد استقبل استقبالا حافلا في معظم الدول التي زارها في سفره الى اعلى البحار ولكنه كان أيضا عرضة للنهب او للهجوم المباغتة الناتجة عن سوء التفاهم في بعض الاحيان. على سبيل المثال انه لما وصل الى جاوا، اندونيسيا قتلت القوات المحلية على غير عمد ما كان له من 170 جنديا. وحيال الحدث وقف تشنغ موقف تحمل الاهانة في سبيل مهمة وقد كفى ان سألها العوض المالي للتكفير عن جريمتها .. مما دفع الاسطول الى تجنب الاشتباك بها. هذا وطبيعيا حدث هناك في بعض الاحيان الاخرى اشتباكات محلية به،على نطاق لا يعتد به وهي التي لم يكن من الممكن ان يتخلص منها . واضطر له ان يشتبك في قتال لاجل الدفاع عن النفس. ومع ذلك ان الوفد الصيني تحت رئاسة تشنغ كان وما زال يعبر عن ما كان لأسرة مينغ الملكية الصينية، من نية صادقة للسلام والتبادل التحضري. وقد كالت المناطق والدول التي زارها الاسطول أيات المديح لموقف الاسرة هذا. وتتابعت في ارسال الوفود اليها،إعجابا بها واحتراما لها.
خلال اقلاع الاسطول تحت قيادة تشنغ الى المحيط الغربي كرس على ابادة القراصنة وفتح خطوط الملاحة، مساهما بقسطه في تنمية التجارة بين اسرة مينغ الملكية ومختلف الدول التي زارها. كان الاسطول مشحونا بالمنتجات الصينية لتقديمها هدايا الى المناطق والدول التي كان يمر بها، وكذلك بالبضائع من نتاج الصين بما فيها على سبيل المثال، العملات النحاسية، اقمشة الحرير، الخزفيات، والمصنوعات الحديدية.. الخ.. لمزاولة المقايضة على العموم. لما وصل الاسطول الى كولام، الهند كانت الوكالة المحلية تنوب عنه في تدبير الامور التجارية. وفي ذلك: نقل السلع الى السوق والمساومة بين البائع والشاري، بمعرفة الموظف الرسمي. وما ان تم الاتفاق بينهما على صفقة حتى صفق الاول للثاني بالبيع. ومن ثم ذهب الاسطول الى دفع ما عليه من الضرائب حسب القانون المحلي. ومن هذا يتضح للعيان ان العملية كانت متسمة ببعض المبادئ الاساسية للتجارة العالمية.
علاوة على ذلك نقل الاسطول ما كانت الصين تزهو به من التقويم القمري، التكنولوجيا الزراعية، تقنية الصناعة الانتاجية، المهارة في التعمير والانشاء والنحت، والطب التقليدي الصيني، تكنيك الملاحة البحرية وصناعة السفن وهلم جرا الى المناطق والدول التي زارها. حسب ما قيل وقال، تعلمت ملقا منه البراعة في بناء الاسوار وحفر الآبار وبناء الطرقات الجبلية؛ وسيام منه طريقة المداواة بحمام المياه المنبجسة من النبع الحار وتسميد التربة عبر حرق سوق الرز؛ واهل تشامبا منه المهارة في استصلاح الحقول من منحدرات الجبال، وتحقيق ثلاثة محاصيل في السنة وغرز شتلات الرز على خير وجه. واكثر من ذلك ان ما كان للصين من فن متقدم للملاحة البحرية وبناء السفن كان قد احدث عبر سفرات تشنغ البحرية أثرا عظيم الأهمية في الدول العربية.
وفي الوقت ذاته، انتقلت، أيضا، الحضارة المادية والروحية التي تزهو بها الدول الاسيوية والافريقية الي الصين. ومن ذلك ان الحيوانات الأفريقية بما فيها، مثلا، الزرافة، حمار الزرد، والأسد ما ان انتقلت الى الصين حتى اثارت اعجابا من البلاط والرعية. وان ما تتميز به المناطق والدول التي حل فيها الاسطول من العادات والاعراف والثقافة والفن .. خاصة تكنيك الملاحة البحرية التي تتباهي بها الدول العربية، وسع كل ذلك نظرات ابناء الشعب الصيني الى ابعد حد بكل تأكيد.
ظل شنغ خه وسفراته البحرية ماثلا في اذهان الجميع
في 11من يونيو قبل 600 سنة، لما كان تشنغ كمبعوث من الامبراطور من اسرة مينغ الملكية، الصين- يقوم بالسفرة البحرية الاولى على رأس الاسطول الضخم، انطلاقا من سواحل جنوب الصين الشرقي ربما لم يفكر،ابدا، هو وغيره من الملاحين برفقته في ان هذه السفرة والسفرات اللاحقة لا تفارقها اذهان الناس وسجلها التاريخ.
كانت الملاحات البحرية للأسطول تحت قيادة تشنغ قد جذبت انتباه العالم لانها كانت تتقدم الغرب تكنيكيا ملاحيا، ويسبق الغرب الى ارتياد البحار المجهولة لاكتشاف مجاهلها.. فانها كانت عملا لم يسبق له مثيل بين الملاحات البحرية العالمية في نفس عهدها وقد احتلت مكانا بارزا في تاريخ الملاحة العالمي.
في نظر الاستاذ المؤرخ خه فانغ تشوان النائب السابق لرئيس جامعة بكين، رئيس اكاديمية بحوث أسيا والباسفيك ان الصين كانت دولة قوية عالمية،آنذاك وكان لها السبق والسابقة في قيام الانسان بحملات استكشاف البحار والمحيطات من حيث القوة الواقعية للعلوم والتكنولوجيا والتجهيزات العسكرية. ولا شك ان الاسطول تحت قيادة تشنغ كان كوفد دبلوماسي وتجاري الاكبر من نوعه في عالمه القديم الزمان. . كما كانت اكبر قوة مسلحة بحرية في العالم يومها. والملاحون الذين رافقوا تشنغ في الرحلات البحرية خلال ما يقرب من 30 سنة.. كان عددهم عشرات الآلاف. ومن حيث صفتهم كانوا في معظمهم من العسكريين. اما تشنغ خه فكان ضابطا كبيرا برتبة جنرال. وبجملة القول ان الاسطول كان غلابا لا يقهر بكل معنى الكلمة. وان امتهن لخدمة المهمة العسكرية لما كان هناك عائق يقف في وجهه. ولكنه كفى ان يكرس على الاتصالات الودية ووهب الهدايا ومزاولة التجارة على اساس المساواة والمصلحة المتبادلة والقيام بالنشاطات الدبلوماسية حسب البروتوكول الدبلوماسي والتمسك بمبدأ احترام الاعتقادات الدينية والعادات والتقاليد للشعوب المحلية حيثما حل. وفي الرحلات البحرية السبع التي قام بها لم يلجأ الى الاستيلاء على شبر من ارض الدول المجاورة أو إلى بناء مستعمرة فيها كما لم ينهب مثقال ذرة من ثرواتها. وبالتالي لقي ترحيبا حارا وتقديرا رائعا من قبل الشعوب في أثناء طريقه.
ان كانت السفرات البحرية التي قام بها تشنغ تمثيلا لروح عدم الخوف من المصاعب والمخاطر في ترويض الطبيعة وابداء للعزيمة على اتباع سياسة الانفتاح على العالم فانها قد اعطت ايضا دليلا على تقاليد الصين كدولة قديمة ذات حضارة عريقة ومهتمة بالاداب واللياقة ونسج الصداقات مع الدول المجاورة. وحتى اليوم ما زالت الحكايات عن الاتصالات الودية من خلال السفرات البحرية تجري على كل شفة ولسان. وهي تحافظ على البراهين التاريخية ذات العلاقة. وتلك الاثار التي خلفتها السفرات البحرية والقصص عنها قد أتت بيانا لاسمى الاحترام من اعماق الشعوب المحلية نحو هذا البحار الرائد التي نشر بفعله الحضارة الصينية بينها.
البحار تشنغ بدأ الاقلاع الى البحار المجهولة في 1405 عندما كان في سن الثلاثين. وفي 1433 توفي بسبب المرض في غولي (كاليكات اليوم)? الهند.. عندما كان في قيادة السفرة السابعة للاسطول الصيني الى اعلى البحار. انه ما زال في نظر الشعب الصيني محبا للوطن الام ومكرسا على مهمته.
خلال 1985?1990 بعثت مجلة "الصين المصورة" بعض رجال الصحافة الى القيام بالاستطلاعات في الطريق التي قطعها الاسطول تحت قيادة تشنغ حينما كان يقوم بالسفرات السبع الى المحيط الغربي. كان السيد صون يي فو النائب الاسبق لرئيس هيئة التحرير للمجلة قد سبق له ان اشترك في الرحلتين المتتابعتين للاستطلاعات السالفة الذكر. وفي معرض الحديث عن ما استعاده من تلك الاستطلاعات في ذهنه قال:"رأينا كثيرا من الابنية التذكارية التي بنتها شعوب المناطق والدول في الطريق التي قطعها الاسطول الى جانب ما لا يحصى من خزفيات ومواد أخرى حملها اليها. واكثر من ذلك اننا اكتشفنا في عمان اشجار اللبان في وسعها ان تفرز المستحلب وهي من نفس التي حملها الاسطول الى الصين. من هذا يمكن للعقل ان يتصور كم كان يلعب الاسطول دورا في التبادل الثقافي بين دول العالم."
في 11 من يوليو العام 2000 بينما اتبعت من جديد صحفية تدعى فان تشون قه في "جريدة ووهان المسائية" طريق السفرات البحرية التي قام بها تشنغ اذ لاحظت:"لليوم ما زال هناك انطباع جميل عن الصين تركه الاسطول في قلوب شعوب الدول التي مر بها وهو يتعدى ما تخيلناه." انها مستعدة لاقامة معرض للصور التي أخذتها بنفسها، في بكين لتطلع عبرها الجمهور على ما رأته وسمعته في طريقها.
في 8 من اغسطس العام 2004 اقلع مركب شراعي اسمه "الطاووس" من المرفأ الذي بدأ تشنغ خه رحلته البحرية الاولى منه قبل 600 سنة لقضاء 8 اشهر في مراجعة مسيرة الاسطول المظفرة تحت قيادته. وخلال مجرى البحث عن الاثار التي خلفها، اكتشف ملاحوه نصبا يعلوه بيان لتاريخ صناعة شبكة الصيد في الصين، في جزيرة كوتشين، الهند. لما وصل الاسطول اليها حمل معه طريقة صيد السمك الشائعة في مناطق وفيرة المياه من الصين الى الاهالي المحليين. وحتى اليوم ما زالت على ألسنتهم تسمية طريقة صيد السمك هذه بـ" شبكة الصيد الصينية".
اليوم هناك قريتان سكانها من خلف ملاحي الأسطول تحت قيادة تشنغ خه على واحدة من أرخبيل جزر لامو، كينيا. قيل ان هناك سفينة من الأسطول ضلت طريقها وارتطمت بضخرة مخفية، قبل 598 عاما . لجأ ملاحوها حوالي مئات الأشخاص اليها وتزوجوا نساء محليات بعد أن فقدوا الأمل في العودة الى البلاد. القريتان احداهما تحمل اسم تشنغ خه وتوجد فيها 3 عائلات من خلف الصينيين وأبنيتهم السكنية من الطراز الصيني، تقريبا. والأخرى تدعى شييو(رحلة الى الغرب) وتوجد فيها عدة أسرات لهم.
العام الحالي يصادف الذكرى الستمائة للرحلات البحرية التي قام بها البحار تشنغ خه من شرق العالم. وتدعو النشاطات التذكارية لهذا العام الناس الى ان يعرفوا من جديد قيمتها التاريخية ومغزاها العملي، بخلاف مساهماتها المعروفة في تحدي المخاطر والمصاعب والاقدام على ارتياد البحار لاكتشاف مجاهلها وفي نسج الصداقات مع الدول المجاورة وبناء جسر للتبادل الثقافي والتجاري والاتصالات الودية بين دول العالم.
خريطة بحرية استعملها البحار تشنغ خه:
جاء في الخريطة اكثر من 530 من اسماء اماكن. ووضعت فيها ارشادات عامة للمدينة، والجزيرة، وعلامات بحرية للملاحة، الشاطئ الرملي، الضخرة المخفية، السلاسل الجبلية، والقناة .. الخ. انها ما زالت موجودة كالاقدم من نوعها في العالم اليوم.

نموذج مصغر لسفينة ابحر على متنها تشنغ خه. قياساته: 3.2? طولا، 1.4? عرضا، 1.9? علوا اجماليا. ونسبة النموذج الى السفينة الحقيقية – 38:1
تمثال نصفي للبحار تشنغ خه
ضريح تشنغ خه عند السفح الجنوبي من جبل "رأس الثور" في ضواحي نانجينغ، الصين10 القاعة التذكارية للبحار الصيني تشنغ خه في ماليزيا